هل بات البيت الأبيض ساحة لتصارع الرؤى حول هوية التحالفات التي تشكل وجه العالم؟ إن المشهد السياسي في واشنطن اليوم يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية التقليدية، ليغوص في أعماق تساؤلات وجودية حول السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ومدى انخراط القوى العظمى في نزاعات إقليمية تستنزف مواردها وتغير ملامح استقرارها.
جدلية الولاء والمناورة في خطاب ترمب
أطلَّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب ببيانٍ لغوي اتسم بالوضوح والحزم، واصفاً إسرائيل بأنها تجسيد لـ "الشجاعة والذكاء والإخلاص". في رؤية ترمب، لا تعد إسرائيل شريكاً عابراً، بل هي حليف استراتيجي (Strategic Ally) يمثل حجر الزاوية في بنيان المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
ويرى ترمب أن بسالة إسرائيل في القتال هي المعيار الحقيقي للصداقة في وقت الأزمات، حيث تنكشف الوجوه وتسقط الأقنعة. هذا الخطاب يعزز مفهوم "الواقعية السياسية" التي تنظر إلى القوة العسكرية والذكاء الميداني كضمانة وحيدة للبقاء والانتصار.
هاريس وتحذيرات "التبعية".. شبح العراق يلوح في الأفق
على الضفة الأخرى، تقف كامالا هاريس، نائبة الرئيس، موقفاً حذراً ينم عن خشية عميقة من الانزلاق إلى فخاخ المواجهة. لقد اتهمت هاريس غريمها بالانصياع لأجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة أن الشعب الأمريكي يرفض أن يكون وقوداً لحرب لم يخترها.
هذا الطرح يعيد إلى الأذهان ما حذر منه جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، حين أشار إلى تكتيكات تشبه "حرب العراق الكارثية". إنها سياسة استدراج القوة العظمى إلى صدام عسكري مباشر مع إيران، وهو ما يشبه في الأدبيات السياسية "الارتهان الاستراتيجي"، حيث تنجر الدولة الكبرى لخدمة أهداف طرف إقليمي على حساب أمنها القومي.
فاتورة الحرب: حين تتحدث الأرقام بلغة الخسارة
بعيداً عن أروقة السياسة، تبرز لغة الأرقام الصارمة لترسم صورة قاتمة للتكلفة الميدانية. التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الأمريكية والفرنسية تكشف عن نزيف مالي وعسكري حاد، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- النزيف المالي: إنفاق عشرات المليارات من الدولارات خلال أسابيع معدودة، وهي أموال تتبخر في أتون الحرب كأنها سراب يحسبه الظمآن ماءً.
- الخسائر النوعية: فقدان طائرات وعتاد عسكري متطور، مما يمثل تآكلاً في القوة الصلبة (Hard Power) التي تتباهى بها واشنطن.
- الجدل الداخلي: تصاعد حدة التساؤلات في الأوساط الأمريكية حول جدوى الاستمرار في مواجهة بدأت شرارتها في 28 فبراير/شباط الماضي.
دبلوماسية فوق رمال متحركة.. من إسلام آباد إلى الهدنة الهشة
في محاولة لرأب الصدع، شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد في 12 أبريل/نيسان جولة مفاوضات عسيرة بين طهران وواشنطن. ومع ذلك، انتهت تلك الجولة دون اتفاق، تاركةً خلفها غبار الاتهامات المتبادلة حول عرقلة المسار السلمي.
ورغم هذا الانسداد، يظل بصيص الأمل معلقاً على الهدنة التي أُعلنت بوساطة باكستانية في 8 أبريل/نيسان، والتي تمتد لأسبوعين. هذه الهدنة ليست نهاية المطاف، بل هي فترة التقاط أنفاس، واختبار لنوايا الأطراف المنخرطة في حرب بدأت تلتهم الأخضر واليابس منذ أواخر فبراير الماضي.
إن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي في تحالفات تتطلب دفع أثمان باهظة من دماء الميزانية وعتاد الجيش، وإما العودة إلى لغة الدبلوماسية التي تحفظ للدول سيادتها وللشعوب أمنها. ويبقى القارئ والمراقب أمام مشهدٍ، الحكمة فيه أعز من الكبريت الأحمر.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً