مأساة أطفال المعتقلين في سوريا: رحلة محو الهوية والاتجار بالبشر
خلف قضبان المعتقلات السورية، لم تكتفِ الآلة الأمنية للنظام المخلوع بتغييب الآباء والأمهات، بل امتدت يدها لتعبث بمستقبل جيل كامل. كشفت تقارير استقصائية ووثائق مسربة عن جريمة ممنهجة استهدفت أطفال المعتقلين في سوريا، تمثلت في اختطافهم، تغيير أنسابهم، وبيعهم لعائلات أخرى تحت إشراف مباشر من أسماء الأسد.
مجمع "لحن الحياة": واجهة إنسانية لعمليات مشبوهة
أثبتت الوثائق التي عرضها برنامج "الملف 404" عبر منصة الجزيرة 360، أن مجمع "لحن الحياة" لرعاية الطفولة كان المسرح الرئيسي لهذه الجرائم. هذا المجمع، الذي كان يخضع لسلطة أسماء الأسد المطلقة، لعب دوراً محورياً في:
- تغيير الأنساب: تحويل أطفال المعتقلات إلى أطفال "مجهولي النسب".
- التزوير القانوني: استخراج هويات جديدة بأسماء وهمية عبر دوائر الأحوال المدنية.
- التنسيق الأمني: استلام الأطفال بناءً على كتب سرية من المخابرات الجوية.
قصص حية من عمق المأساة
تتجسد قسوة هذه الجريمة في قصة السيدة مروى، التي فقدت زوجها وأطفالها الأربعة في فخ "حاجز علي الوحش" بمخيم اليرموك عام 2014. وبينما تم إعدام الرجال، اختفى الأطفال تماماً ولم يظهر لهم أثر، لتكتشف لاحقاً أنهم وقعوا ضحية لآلة تغيير الهوية.
أما علاء رجوب، فهو شاهد حي على هذه الجريمة؛ حيث اعتُقل وهو في السابعة من عمره، ليتم تغيير كنيته إلى "ناصيف" وقطع صلته بعائلته تماماً. لولا وعيه باسم عائلته الحقيقي، لضاع أثره كآلاف الأطفال الآخرين الذين تم استغلالهم وهم في سن الرضاعة.
تجارة الرقيق: أطفال مقابل 10 آلاف دولار
لم تكن هذه العمليات مجرد انتقام سياسي، بل تحولت إلى تجارة رابحة. كشف مسؤولون سابقون أن تغيير نسب الأطفال كان يهدف لتسهيل "بيعهم" لأسر جديدة مقابل مبالغ مالية ضخمة تصل إلى 150 مليون ليرة سورية (ما يعادل 10 آلاف دولار)، مما يعيد إنتاج مفهوم تجارة الرقيق في العصر الحديث.
تورط المؤسسات الحكومية والأمنية
أكدت شهادات من داخل النظام، ومنهم الدكتورة وجد قدور وميس عجيب، أن وزراء الشؤون الاجتماعية والعمل في الفترة بين 2011 و2021 كانوا متورطين عبر توقيع إحالات أمنية غير قانونية.
أرقام وحقائق صادمة:
- 3700 طفل: عدد الأطفال الذين أخفاهم النظام السوري وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
- 100 طفل: عدد الإيداعات الأمنية في دار واحدة فقط (دار الرحمة) منذ عام 2015.
- دول خارجية: شهادات تؤكد إرسال بعض هؤلاء الأطفال إلى دول مثل كندا، أمريكا، وروسيا.
ما بعد السقوط: البحث عن الحقيقة
بعد سقوط المنظومة الأمنية، بدأت لجان مشتركة من وزارات العدل والداخلية والعمل في التحقيق بمصير هؤلاء الأطفال. ورغم إجراء تحليلات الحمض النووي (DNA)، إلا أن الوصول إلى ذوي الأطفال يظل تحدياً هائلاً بسبب تدمير السجلات الأصلية أو محو الهويات بشكل احترافي، مما يجعل جرح أطفال المعتقلين في سوريا نازفاً حتى اليوم.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً