# وسائل التواصل الاجتماعي: ميدان دعوة.. وجبهة قتال
مقدمة: ثورة الكلمة وعصر الفضاء المفتوح
لم يكن يدور في خلد البشر قبل سنوات معدودات، أن يأتي زمان يجلس فيه المرء في زاوية من بيته، أو في ركن قصي من غرفته، ثم يخط بضع كلمات على جهاز صغير لا يتجاوز حجم كف يده، فإذا بهذه الكلمات تجوب أقطار الأرض شرقاً وغرباً، وتقرؤها العيون في مشارق الشمس ومغاربها في لحظات. إنها ثورة الاتصال التي جعلت الكلمة الواحدة سبباً في هداية قلب تائه، أو ضلال آخر غافل، سبباً في بعث نور الإيمان، أو إشاعة ظلام الفتنة. لقد صارت الكلمة اليوم أسرع من البرق في وصولها، وأمضى من السيف في حدتها، وأعمق أثراً من المدافع في وقعها على النفوس.
إننا نعيش في زمن جعل الله فيه هذه الوسائل، التي اصطلح الناس على تسميتها بـ “وسائل التواصل الاجتماعي”، منابر عالمية مفتوحة بلا حواجز جغرافية ولا قيود رقابية تقليدية. هي فضاءات يُسمع فيها صوت الباطل عالياً مدوياً إذا سكت أهل الحق، وتُرفع فيها رايات المنكر خفاقة إذا توانى الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وهنا، يقف المسلم الواعي وقفة محاسبة ومساءلة لنفسه: أيليق بمن عرف الله حق المعرفة، وآمن برسوله ﷺ، وقرأ كتابه الكريم، أن يترك هذه المنابر خاوية إلا من اللهو واللغو والضلال؟ وهو الذي يسمع نداء ربه في القرآن الكريم يقول: {﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾} [آل عمران:104].
الدعوة تكليف شرعي وليست وظيفة مهنية
إن الخطأ الشائع الذي وقع فيه الكثيرون هو حصر الدعوة إلى الله في فئة معينة، وظنهم أنها مهنة الواعظ أو وظيفة الشيخ فحسب. والحقيقة الشرعية أن الدعوة تكليف عام موجه لكل فرد من أفراد الأمة، كلٌ على قدر طاقته، وحسب اتساع علمه. لقد وضع النبي ﷺ القاعدة الذهبية في هذا الباب حين قال: {«بلِّغوا عني ولو آية»} [البخاري].
هذه الوصية النبوية الخالدة تحمل الأمة بأسرها المسؤولية على أكتافها؛ صغيرها وكبيرها، عالمها وعاميها. إنها دعوة للجميع ألا يسكتوا عن نصرة الحق وحزبه، وألا يتوانوا عن مقارعة الباطل وجيشه. في الأزمان الغابرة، كان من أراد البلاغ يقطع الفلوات، ويرحل في الأسفار الطويلة، وينفق الأعمار والجهود ليصل إلى الناس في قراهم ومدنهم. أما اليوم، فقد هيأ الله لنا أسباباً عجيبة وميسرة؛ فبإمكان الواحد منا اليوم أن يكتب كلمة، أو يرسل مقطعاً قصيراً، فإذا به يلمس قلوباً لم يكن يخطر بباله يوماً أن يبلغها. وبقدر هذا التيسير، تعظم الحجة، وتتضح الفرصة، ويقبح التقصير.
الحساب الشخصي: صحيفة منشورة ومنبر مسؤول
ما أحوج الأمة اليوم، شباباً وشيباً، أن تدرك حقيقة أن الحساب الشخصي على منصات مثل فيسبوك، إكس (تويتر سابقاً)، يوتيوب، تيك توك، وغيرها، ليس مجرد ساحة للهو الفارغ أو دفتراً للمذكرات الشخصية العابرة. إن كل حساب هو في الحقيقة “صحيفة منشورة” ومنبر مفتوح أمام الملايين. المرء في هذا الفضاء مسؤول عما يكتبه، وعما يعلق به، وعما يعيد نشره، تماماً كما هو مسؤول عما ينطق به بلسانه في المجالس.
لقد حذرنا النبي ﷺ من حصائد الألسن حين قال: {«وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟»} [الترمذي]. والكلمة المكتوبة في هذا العصر الرقمي لا تقل خطراً عن الكلمة المنطوقة، بل قد تكون أعظم خطراً وأطول أثراً؛ لأنها تبقى موثقة، وتتناقلها الأيدي، وتظل في أرشيف الزمن لا تُمحى بسهولة. لذا، وجب على كل مسلم أن يتقي الله فيما يكتب، وأن يتمهل طويلاً قبل أن يضغط زر “نشر”. عليه أن يسأل نفسه: هل هذا المنشور مما يرضي الله أم مما يسخطه؟ هل سيكون شاهداً لي يوم القيامة أم شاهداً علي؟
خطر الفراغ الرقمي وهيمنة أهل الشبهات
إن الخطر العظيم الذي يتهدد الهوية الإسلامية اليوم هو ترك هذا الفضاء الفسيح لقمة سائغة لأهل الشهوات ودعاة الشبهات. هؤلاء الذين يعكفون ليل نهار على صياغة العقول، والعبث بالقلوب، ونشر الرذيلة تحت أسماء براقة، وتزيين المنكرات بلباس الفن والإبداع الزائف. إذا لم يقم أهل الحق بواجبهم في ملء هذا الفراغ، فإن سكوتهم يصبح جريمة في حق الأمة، ويتحول الفراغ الذي يتركونه إلى دعوة ضمنية لانتشار الباطل.
القاعدة الإيمانية تقول: إذا خلا القلب من محبة الله والإنابة إليه، ابتُلي بمحبة ما سواه. وكذلك المنصات الرقمية؛ إذا خلت من نور القرآن وهدي السنة، ملأها ظلام الهوى وضلال الأفكار الهدامة. ومن العجب العجاب أن نرى بعض الصالحين يتورعون عن دخول هذه الوسائل ظناً منهم أن السلامة في اعتزالها، ولا يدركون أنها أصبحت ميداناً حيوياً من ميادين الدعوة، وجبهة مشتعلة من جبهات الصراع بين الحق والباطل.
جهاد الكلمة في العصر الحديث
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾} [الفرقان:52]، والمقصود هنا الجهاد بالقرآن والبيان. واليوم، نجد أن جهاد الكلمة، وجهاد الصورة، وجهاد المقطع المرئي، لا يقل أثراً عن جهاد السيف والبيان التقليدي، بل قد يسبق أثره إلى عقول بعيدة وأرواح لا تطالها الجيوش.
قد يظن البعض أن الدعوة تتطلب خطباً طوالاً أو مقالات علمية معقدة، وينسون أن أبسط صور النشر قد تكون عند الله أعظم أجرًا. ألم يقل النبي ﷺ: {«لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»} [مسلم]؟ فإذا كان التبسم في وجه الأخ صدقة، فكيف بإعادة نشر آية كريمة، أو تذكير بحديث شريف، أو كتابة كلمة طيبة في تعليق؟ إنها أبواب عظيمة من أبواب الصدقة الجارية. ضغطة زر واحدة في لحظة إخلاص قد يكتب الله بها هداية لإنسان في قارة أخرى لا تعرفه ولا يعرفك، ويكون لك من الأجر مثل أجره إلى يوم القيامة.
تجارة رابحة مع الله: أثر الأعمال الصغيرة
التاريخ الإسلامي مليء بالشواهد على أن الأعمال التي قد نراها صغيرة تترك بصمات عظيمة وتغير مجرى التاريخ. كلمة قالها غلام في قصة أصحاب الأخدود آمنت بها أمة بأكملها، وموقف يسير وقف فيه رجل بدل الله به مصائر شعوب. واليوم، في زمن الإعلام الرقمي، قد يكون مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة، أو تصميم جرافيكي يحمل آية، سبباً في فتح قلب منغلق، أو زلزلة شبهة عاتية، أو هداية شاب تائه في أقصى الأرض.
تذكر دائماً قول الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: {«لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم»} [البخاري ومسلم]. فأي تجارة أعظم من هذه؟ وأي ربح يفوق أن تضع في ميزانك هداية نفس بشرية؟
الكلمة التي لا يُلقى لها بال
يستهين البعض بجهودهم الرقمية ويقولون: “ماذا تنفع مشاركة أو إعجاب؟”. هؤلاء غفلوا عن حقيقة عميقة أشار إليها النبي ﷺ حين قال: {«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه»}. فالكلمة التي لا يلقي لها صاحبها بالاً قد تفتح أبواب الجنة، والكلمة التي يظنها شيئاً يسيراً قد تكون مفتاحاً لقلوب مغلقة.
لذا، يجب علينا أن نحرص كل الحرص على أن تكون كلماتنا سهاماً للحق، لا شظايا للباطل. إن الأمة اليوم تعول على شبابها الذين ملأوا المنصات حضوراً؛ فلو صرف هؤلاء أوقاتهم في نشر الخير وذكر الله، لكانوا جنداً من جنود الإسلام بالكلمة، كما كان أسلافهم جنداً بالبيان والسنان. قال تعالى: {﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾} [التحريم:9].
رسالة إلى كل مسلم: لا تكن متفرجاً
يا أيها الداعية، لا تحتقر جهدك مهما قل، ولا تقل إن الناس لن يسمعوا. لقد كان رسول الله ﷺ يزرع الكلمة في صحراء مكة، واليوم أنت تزرعها في أرض مهيأة وموصولة بكل العالم بضغطة زر. ويا أيها الغافل، لا تستهن بخطر صمتك؛ فإن سكوتك يترك المجال لغيرك ليفسد العقول.
إن وسائل التواصل ليست شراً خالصاً ولا خيراً مطلقاً، بل هي سلاح بيد من يستعمله. فطوبى لمن جعلها في طاعة الله، وويل لمن جعلها في معصيته. فلنغتنم هذه النعمة قبل أن تتحول إلى نقمة، ولنملأ هذه الوسائل بالآيات والأحاديث والذكر، ولنجعلها منابر لدحض الشبهات ومحاربة الرذيلة.
في الختام، تذكروا أننا في زمن صار فيه “المنشور” أبلغ من الخطبة في بعض الأحيان، و”المقطع” أنفذ في الأرواح من السهام. حسابك ليس لعبة، بل هو مسؤولية ثقيلة؛ فإما أن يكون نوراً يجري في صحائفك، أو ناراً تشتعل في موازينك. الله الله ألا تنشر إلا ما يرضي الله، واعلم أن {﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾} [ق:18]. انهضوا يا شباب الإسلام، وتيقظوا يا دعاة الحق، فإنها معركة الكلمة، وساحة العقيدة، ولن تبرأ الذمة إلا بحضور يشهد أننا من حزب الله المفلحين.


اترك تعليقاً