وكان الإنسان عجولاً: رؤية شرعية وتربوية في فقه التأنّي وأدب النفس

وكان الإنسان عجولاً: رؤية شرعية وتربوية في فقه التأنّي وأدب النفس

وكان الإنسان عجولاً: رؤية شرعية وتربوية في فقه التأنّي وأدب النفس

تضربُ جذورُ العجلة في الإسلام وفي النفس البشرية في أعماق التكوين الأول؛ إذ تروي لنا بطون التفاسير أن الروح لما بدأت تسري في جسد آدم -عليه السلام- من جهة وجهه، لم تطق نفسه صبراً حتى تكتمل الحيوية في أطرافه، فشرع يحاول الحركة قبل أن تبلغ الروح قدميه. ومنذ ذلك الحين، ورث بنو آدم هذا الطبع الذي قد يكون وقوداً للارتقاء في معارج المجد إذا ما لُجم بلجام الحكمة، أو ناراً تحرق صاحبها وتورده موارد التهلكة إذا ما انفلت من عقاله.

مآلات العجلة على النفس والاجتماع

إنّ رعونة الاستعجال تورث صاحبها شتاتاً في الفكر، وتجعله في نصبٍ دائمٍ يمتص طاقاته العقلية والنفسية، مما يدفعه لارتجال قراراتٍ مصيرية دون تمحيصٍ للعواقب. فكم من كلمةٍ فلتت في فورة غضب، لم يزنها صاحبها بميزان العقل، كانت نتيجتها تقويض أركان بيتٍ عامر بالطلاق، أو فضّ شراكةٍ اقتصادية متينة، أو بتر أواصر صداقةٍ ضاربة في عمق الزمن.

إنّ الإنسان المعاصر يستعجل قطف ثمار المستقبل، ويظن أن السعادة مرتهنة بما سيأتي، فيغفل عن استشعار لذة اللحظة الراهنة وتفاصيلها المشرقة. إن هذه النجاحات الصغيرة هي التي تشكل مخزوناً استراتيجياً من السعادة، يستدعيه المؤمن في لحظات الكرب لتكون له:

  • طاقة أملٍ تضيء دياجير الأزمات.
  • بلسماً شافياً للجروح النفسية الغائرة.
  • قوة دفعٍ لمواصلة المسير رغم المصاعب.

فقه الوقت في عصر الآلة

لقد سخرت عجلة الإنسان ذكاءه لابتكار آلاتٍ اختصرت المسافات ووفّرت الأوقات، ولكن السؤال الجوهري: كيف استثمر الإنسان هذا الفائض من العمر؟ هل كان زاداً يضيفه إلى سجل حسناته وعمارة أرضه؟ أم استحال فراغاً قاتلاً أورثه أزماتٍ نفسية لا تنتهي؟

وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى "مشروعات كبرى" يتبناها أهل الرأي والنهى، لاستيعاب طاقات المجتمع:

  1. الشباب: بتوجيه اندفاعهم نحو البناء الممنهج.
  2. المتقاعدون: باستثمار خبراتهم التراكمية في العطاء.
  3. ربات البيوت: بتمكينهنّ من أدوارٍ تعمر الحياة وتجعل لوجودهنّ قيمةً أخروية ودنيوية.

العجلة في محراب العبادة

يتجلى قبح الاستعجال حين يقتحم قدسية العبادة؛ فترى بعض المصلين يدخلون المسجد قبل الإقامة بدقائق، وبدلاً من اغتنامها في السنن والذكر، يقفون بتوترٍ يقطع على الخاشعين مناجاتهم، يرقبون الساعة بضيقٍ وكأن الزمن قد توقف، فإذا ما كبّر الإمام شعروا بوطأة الوقت وثقله، وهذا من حرمان البركة.

لقد نهى الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- وهو أزكى البشر نفساً وأحرصهم على العلم، عن العجلة في تلقي الوحي، فقال عز وجل: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ﴾ [الإسراء: 106]. فإذا كان المقام النبوي مأموراً بالتؤدة، فكيف بمن سواه ممن قصرت مداركهم وقلّ ثباتهم؟

التؤدة في طلب العلم ومنهجية التلقي

إنّ داء العصر يتمثل في أولئك الذين يسرعون المقاطع التعليمية لإنهاء المادة العلمية شكلياً، مما يحرمهم من عمق الفهم ودقة التفاصيل. ويمتد هذا الداء لبعض الباحثين والمؤلفين؛ فما إن يظفر أحدهم بمعلومة حتى يودعها قرطاسه دون تمحيصٍ لصحتها أو محاكمةٍ لأصولها، طلباً للتكثر وتكبير العناوين، فخرجت لنا أعمالٌ جوفاء تثير البلبلة ولا تشفي غليل باحث.

الصبر على التعلم: قصة الصخرة والماء

أما من يعانون من بطء التعلم، فإن علاجهم في الصبر الجميل. وقد ساق الخطيب البغدادي أثراً بليغاً في هذا المعنى، قال: “كَانَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْعِلْمَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَعَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ، فَمَرَّ بِمَاءٍ يَنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ عَلَى صَخْرَةٍ قَدْ أَثَّرَ الْمَاءُ فِيهَا، فَقَالَ: الْمَاءُ عَلَى لَطَافَتِهِ قَدْ أَثَّرَ فِي صَخْرَةٍ عَلَى كَثَافَتِهَا، وَاللَّهِ لَأَطْلُبَنَّ الْعِلْمَ.. فَطَلَبَ فَأَدْرَكَ”.

إن العلم أرقّ من الماء، والعقل ألين من الصخر، فبالمثابرة تُذلل الصعاب. وكم من طالبٍ وُصم بالفشل من أساتذته، فكان طموحه رداً عملياً أثبت به خطأ تقديرهم حين نال أرفع الدرجات.

أثر الأناة في بناء الأجيال

في ميدان التربية، يشتهي الوالدان رؤية أبنائهم في قمة الحكمة والصلاح سريعاً، ولكن هذه القمم لا تُنال إلا بصبرٍ طويل. إن الاستعجال يفسد التربية ويورث المربي خيبة الأمل، بينما الإدراك الواعي لسنة التدرج هو المفتاح، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ [النحل: 78].

فالإنسان يكتسب خبراته قطرةً قطرة، والمربي الذي يضيق ذرعاً باندفاع الشباب ينسى أنه كان يوماً في مثل حماقتهم، حتى أدبته الأيام وصقلته التجارب.

الخاتمة:
ستظل العجلة كما وصفتها العرب "أم الندامات"، فما دخلت في شيء إلا شانته، وما نُزعت من شيء إلا زانته. فليكن حظنا من دنيانا الأناة التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولنعلم أن ما قُدر لنا آتٍ لا محالة، فليأتنا ونحن في سكينة المتقين، لا في اضطراب المستعجلين. اللهم ارزقنا الحلم والعلم، وزينا بالوقار، واجعل سعينا في طاعتك سعي المتأنين المخلصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *