يوم التروية: مطلع الأنوار ومبتدأ مناسك الأبرار في رحلة الحج

يوم التروية: مطلع الأنوار ومبتدأ مناسك الأبرار في رحلة الحج

مقدمة: في رحاب الطاعة ومستهل الشعائر

تشرئبُّ أعناق الموحدين، وتتجه أفئدة المؤمنين في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة من كل عام نحو مشعر منى الطاهر بمكة المكرمة؛ حيث تتدفق قوافل الحجيج في مشهدٍ إيماني مهيب لقضاء يوم التروية. إن هذا اليوم ليس مجرد توقيتٍ زمني، بل هو المحطة التمهيدية الأبرز في رحلة الحج المقدسة، وفيه يشرع ضيوف الرحمن في التأهب الفعلي للوقوف بين يدي الله عز وجل في صعيد عرفات في اليوم التالي، تطلعاً لبلوغ ذروة المعنى الإيماني، ونيل القبول، والمغفرة، والعتق من النيران.

فضيلة الزمان وعظمة الأيام العشر

يستمد يوم التروية مكانته السامقة من وقوعه في قلب العشر الأوائل من ذي الحجة، تلك الأيام التي عظم الله سبحانه وتعالى شأنها، وأقسم بها في محكم التنزيل تشريفاً لها، فقال عز وجل: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر: 1-2).

ومصداقاً لهذا الفضل العظيم، ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما العمل في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذِه» [صحيح البخاري]، يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».

دلالة التسمية وفقه الاصطلاح

يُعرّف يوم التروية في الاصطلاح الفقهي بأنه اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وهو فاتحة أعمال الحج الميدانية العامة، والميقات الزماني والمكاني الأول الذي يتهيأ فيه الحاج للنسك الأكبر.

أما عن سر التسمية، فتعود في أصلها اللغوي والتاريخي إلى ندرة المياه في منى قديماً؛ فقد ذكر صاحب "المصباح المنير" أن التسمية غلبت لأن الحجاج كانوا يرتوون ويتزودون بالماء من مكة لما يليه من الأيام، ومنه اشتق لفظ "الراوية" للدابة التي يُستقى عليها. كما عُرف هذا اليوم بـ "يوم النقلة"؛ نظراً لانتقال الحجيج الجماعي من مساكنهم في مكة قاصدين المشعر الحرام قبل زوال الشمس.

الهدي النبوي في يوم التروية

لقد تجلت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم أسمى معاني التعليم والرفق وإدارة الحشود؛ حيث ارتكز فقه هذا الانتقال على السنن والآثار المحكمة. يروي جابر بن عبدالله رضي الله عنه في الحديث الطويل عن صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه فيقول: “فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر”.

وفي صحيح البخاري أن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي ﷺ، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى.

أعمال الحجيج وسنن المبيت في منى

ينقسم الحجاج في صبيحة هذا اليوم بحسب نوع نسكهم إلى فئتين، مع الالتزام بجملة من السنن والآداب:

أولاً: هيئة الإحرام والنسك

  • المتمتع: يحلّ من عمرته ثم يحرم بالحج ضحىً من مكانه الذي هو فيه بمكة.
  • المفرد والقارن: يستمران على إحرامهما الأول، ويتوجهان مباشرة إلى منى.

ثانياً: السنن المأثورة في مشعر منى

  • الاغتسال والتطيب: يُسن للحاج الاغتسال ولبس ثياب الإحرام البيضاء النظيفة قبل الإهلال بالحج.
  • التلبية والذكر: الإكثار من التلبية ورفع الصوت بها، تعظيماً لشعائر الله سبحانه وتعالى.
  • قصر الصلاة دون جمع: من السنة أداء الصلوات الخمس (الظهر، العصر، المغرب، العشاء، وفجر يوم عرفة) في منى، مع قصر الرباعية منها إلى ركعتين، وأداء كل صلاة في وقتها دون جمع.
  • المبيت في منى: وهو سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء، حيث يستقر الحجيج في مخيماتهم حتى طلوع شمس اليوم التاسع.

الخاتمة: من التروية إلى ذروة التضرع

تختتم أعمال يوم التروية بمبيت الحجاج في رحاب منى، فإذا بزغت شمس يوم عرفة، أفاضت جموع الحجيج نحو الجبل الأشم ملبين ومكبرين؛ لقول أنس رضي الله عنه: «كان يهلّ منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه» [صحيح البخاري].

إن يوم التروية يمثل في جوهره بوابة العبور نحو الاستنارة الروحية، والمدخل الشرعي لمرحلة الذروة في الحج، حيث ينتقل العبد من مرحلة الاستعداد البدني والمكاني إلى مرحلة التضرع والوقوف بين يدي الخالق سبحانه وتعالى. فاللهم اجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، وبلغنا عرفات ونحن في أتم حال وأزكى مآل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *