مقدمة: رحيل الضيف العزيز ووقفة التأمل
الحمد لله رب العالمين، سبحانه وتعالى له الحمد الحسن والثناء الجميل، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، المتمم لمكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
إن للمؤمن في تقلبات الأيام ومداولة الدهر نفحات ربانية ومواسم مباركة، هي بمثابة المحطات التي يتزود منها المسافر زاد التقوى، ويتطلع فيها إلى رحمات الله الواسعة، وينتظر فيها مدده ومغفرته وحسن عطائه. ولا ينال هذا الفضل العظيم إلا من جاهد نفسه فأطاع ربه، وصبر على مشقة الأوامر، وتجنب زواجر النواهي. إن العاقل اللبيب هو من يقف مع أيام الله تبارك وتعالى وقفة تأمل واعتبار، يرقب مرورها ويسائل نفسه ماذا أودع فيها؟
أما الغافل، فهو الذي تمر عليه المواسم تلو المواسم وهو سادر في غيه، يتبع هواه ولا يتفكر في آلاء الله ونعمه، قد عطل حواسه عن تدبر ملكوت الله وعظمته، ففاته يقين القلب الذي تنقاد له الجوارح. إن الله سبحانه أودع فينا السمع والبصر والأفئدة لنستعملها في شكره وحسن عبادته، كما قال عز وجل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]. ومع رحيل شهر رمضان المبارك، نضع بين أيديكم هذه الوصايا والتنبيهات التي تنير الدرب للمؤمن في ختام شهره.
الوقفة الأولى: الانتباه لقطار العمر والحذر من فتنة الدنيا
إن عمر الإنسان هو رأسماله الحقيقي وكنزه الذي لا يعوض، وإن تضييع دقائق هذا العمر وساعاته في غير طاعة الله هو عين الغبن والخسران. وقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [البخاري].
مع رحيل رمضان، تبرز وصية نبوية عظيمة كانت لابن عمر رضي الله عنهما، حين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبه وقال له: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وكان ابن عمر يقول بعدها: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [البخاري].
تأمل في هذه الوصية؛ إنها موجهة لشاب في مقتبل العمر، لتعلمه أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن العاقل هو من يستعد لسفر القبور الطويل. إن ختام رمضان يذكرنا بختام الأعمار، ويحثنا على التخلص من أثقال الأوزار قبل فوات الأوان. يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر».
لقد كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول كلمات تكتب بماء الذهب: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل». وهكذا كان نهج عمر بن عبد العزيز في خطبه حين قال: «إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فأحسنوا – رحمكم الله – منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى».
الوقفة الثانية: الجمع بين الإحسان في العمل والخوف من الرد
من أعظم سمات الجيل الفريد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يجمعون بين غاية الإحسان في العمل وغاية الخوف من عدم القبول. ونحن اليوم في حال يرثى لها، نجمع بين الإساءة والأمن من مكر الله!
لقد كان سلفنا الصالح يجتهدون في العبادة، فإذا فرغوا منها استولى عليهم الهم: أيقبلها الله أم ترد عليهم؟ يقول ابن القيم رحمه الله: «إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه». ويحكي عن بعض السلف قولهم: «إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار». وذلك لأن الخطيئة تورث انكساراً وذلاً وتوبة، بينما الحسنة قد تورث كبراً وعجباً ومناً.
إن النبي صلى الله عليه وسلم رسخ هذا المعنى في نفوس أصحابه حين قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» [البخاري].
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سألت عن قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}، هل هم الذين يسرقون ويزنون؟ فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ.. وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ» [أحمد والحاكم].
انظر إلى الفاروق عمر رضي الله عنه وهو في سكرات الموت، والناس يثنون عليه، فيقول: «وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي». وانظر إلى عبد الرحمن بن عوف، وهو من المبشرين بالجنة، يبكي عند طعامه تذكرًا لمصعب بن عمير وحمزة رضي الله عنهم، ويخشى أن تكون طيباته قد عُجلت له في الدنيا. وهذا عتبة بن غزوان يقول: «وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً».
الوقفة الثالثة: الثبات بعد رمضان هو علامة القبول الحقيقية
إن حاجة العبد إلى ربه دائمة لا تنقطع بانقضاء شهر أو موسم. يقول ابن القيم: «في القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى بحب الله». ومن أعظم علامات قبول العمل الصالح في رمضان هو أن يتبعه عمل صالح بعده.
يقول أهل العلم: «ثواب الحسنة الحسنة بعدها». فمن كان حاله بعد رمضان كحاله فيه من المحافظة على الصلاة والذكر والقرآن، فذلك دليل على أن الله قد رضي عنه وقبل منه. أما من يهجر القرآن والمساجد بمجرد إعلان العيد، فكأنما كان يعبد الشهر لا رب الشهر!
بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان! إن الصالح هو من يجتهد السنة كلها. وقد سئل بشر الحافي عن هؤلاء فقال: «بئس القوم قوم لا يعرفون الله حقاً إلا في شهر رمضان». إن القاعدة النبوية تقول: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [متفق عليه].
الاستقامة هي ثمرة الصيام، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]. فإياك والرجوع إلى المعاصي بعد أن طهرك الله منها، واصبر عن لذة الهوى لتنال حلاوة الإيمان.
الوقفة الرابعة: مسك الختام.. الاستغفار وصدقة الفطر
أمرنا الله سبحانه أن نختم الأعمال العظيمة بالاستغفار، ليجبر ما حصل فيها من نقص أو خلل. فالمصلي يستغفر بعد صلاته، والحاج يستغفر بعد إفاضته من عرفة {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ}. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر بالاستغفار في ختام عمره في سورة النصر.
كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر، وقال: «إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة». فالاستغفار يرمم ما تخرق من الصيام باللغو والرفث.
علينا أن نودع شهرنا بقلوب منكسرة، نلهج بدعاء الأنبياء:
- {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
- {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
إن العبد المؤمن يتحسر على رحيل هذه الأيام المعدودات، فسبحان من أجرى الدهور والأعوام، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.
الوقفة الخامسة: آداب ليلة العيد ويوم الجائزة
إذا كملت العدة، شرع الله لنا التكبير والشكر: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
من سنن وآداب العيد:
1. التكبير: يشرع من غروب شمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، تعظيماً لله وشكراً له.
2. الأكل قبل الخروج: من السنة أكل تمرات وتراً قبل صلاة عيد الفطر.
3. لباس العيد: يخرج الرجال في زينة، وتخرج النساء غير متبرجات ولا متعطرات. وعلى ولي الأمر أن يراقب لباس أهله وبناته ليكون موافقاً للشرع.
4. الحذر من الغفلة: ليلة العيد ليست ليلة للمعاصي أو ضياع الأوقات في الأسواق والمنكرات، بل هي ليلة شكر واستغفار.
نداء الوداع والرجاء
يا من أسأت في رمضان وقصرت، إياك والقنوط! فإن رب رمضان هو رب الشهور كلها، وباب التوبة مفتوح لا يغلق. ارجع إلى مولاك نادماً يقبلك، واعلم أن الله واسع المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في خير وعافية ونصر للإسلام والمسلمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً