فضل الحج ووجوب المسارعة إليه: دليل الطاعة والامتثال

مقدمة: مواسم الطاعات ومنح رب البريات

عباد الله، إن من أعظم آلاء الله ونعمه السابغة على عباده المؤمنين، أن جعل لهم في تعاقب الأيام والشهور مواسم عظيمة للطاعات، وميادين فسيحة للقربات. هذه المواسم هي محطات للتزود من التقوى، فيها تُقال العثرات، وتُسكب العبرات، وتُجاب الدعوات، وتُضاعف فيها الحسنات بفضل من الله ومنة. لقد شرف الله سبحانه وتعالى أزماناً على غيرها، كما شرف بقاعاً وأماكن على سواها، وقد اجتمعت في فريضة الحج فضيلة الزمان وفضيلة المكان في أبهى صورها.

إن الحج هو المغنم الأكبر للطائعين، والميدان الأسمى للمتنافسين الذين يرجون تجارة لن تبور. ونحن اليوم، يا عباد الله، نقف على أعتاب هذا الموسم العظيم، موسم الحج إلى بيت الله الحرام، ذلك الركن الركين الذي فرضه الله على عباده وجعله خاتمة أركان الإسلام الخمسة، ونحن الآن في مستهل أشهره المباركة التي نوه الله بها في كتابه الكريم.

وجوب الحج وفريضة العمر

لقد أعلن الله سبحانه وتعالى وجوب هذه الفريضة في محكم التنزيل، فقال عز من قائل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}. هذا النداء الرباني يحدد لنا الإطار الزماني والأخلاقي لهذه الرحلة الإيمانية، حيث التقوى هي الزاد الحقيقي، والترفع عن صغائر الأمور هو الشعار.

وفي موضع آخر، يؤكد الحق تبارك وتعالى على وجوب الحج على كل مستطيع، فيقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. ولم يقتصر الأمر على القرآن الكريم، بل جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد هذا الفرض العظيم؛ فعن النبي ﷺ في الحديث الطويل الذي رواه مسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا». إن الحج ركن من أركان الإسلام التي بُني عليها، وهو فرض عين بالإجماع على كل من استوفى شروطه، وهو معلوم من الدين بالضرورة، لا يسع مسلماً جهله أو إنكاره.

أشواق القلوب ونداء الخليل عليه السلام

إن القلوب المؤمنة، حين تسمع نداء الحج، تستجيب استجابة المشتاق لربه، الطامع في مغفرته ورضوانه. لقد أمر الله نبيه إبراهيم الخليل عليه السلام بالأذان في الناس، فقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}. ومنذ ذلك الحين، وتحقيقاً لدعاء الخليل عليه الصلاة والسلام حين قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}، والقلوب المؤمنة تنجذب وتطير شوقاً إلى ذلك البيت العظيم.

هذا البيت الذي أُسس على التوحيد الخالص من أول لحظة، يأتي إليه أهل الإيمان يتقاطرون من فجاج الأرض القاصية والدانية؛ ليشهدوا منافع لهم، دينية ودنيوية، وليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. إنها رحلة التوحيد، حيث تجأر الحناجر بصوت واحد، ونداء واحد: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”. إن هذه الجموع الملبية ليست مجرد حشود بشرية، بل هي أمة التوحيد التي تنضوي تحت راية العقيدة، حيث تتوارى في ظلالها فوارق الأجناس، وتتمايز الألوان، وتتباعد الأوطان، ليبقى الجميع عباداً لله إخواناً.

فضائل الحج المبرور وثمراته

لقد جعل الله عز وجل للحج من الفضائل والفوائد ما ليس لغيره من العبادات. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (متفق عليه).

والحج المبرور، يا عباد الله، هو ذلك الحج الذي لا يخالطه إثم، ولا رياء، ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق. هو الحج الذي يخرج منه العبد بقلب جديد ونية صادقة. وقد وعد النبي ﷺ من أدى هذه الفريضة بحقها بجائزة لا تدانيها جائزة، فقال: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رواه البخاري ومسلم). فهل هناك أعظم من أن يمحو الله عنك سجل الخطايا لتبدأ صفحة بيضاء نقية؟

مشهد عرفة: الموقف الأعظم

وفي الحج مواقف جليلة تعجز الكلمات عن وصفها، ومن أعظمها وأجلها موقف عرفة؛ فهو عمدة الحج وذروة سنامه. في ذلك اليوم، وعلى صعيد عرفات الطاهر، تجتمع جموع الحجيج في منظر مهيب، متجردين من كل زينة دنيوية إلا سمة الإسلام. لا فرق هناك بين غني وفقير، ولا بين قبيلة وأخرى، اللباس واحد، والشعار واحد، والرب واحد.

هناك تُسكب العبرات ندماً، وتُقال العثرات كرماً، وتُستجاب الدعوات فضلاً، وتُغفر السيئات رحمة. إن المحروم حقاً هو من لم يتذوق طعم هذا الموقف ولو مرة في حياته. ولله در القائل في وصف هذا المشهد:

فَلِلهِ ذَاكَ المَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي * كَمَوْقِفِ يَوْمِ العَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ
وَيَدْنُو بِهِ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ * يُبَاهِي بِهِمْ أَمْلاكَه فَهُوَ أَكْرَمُ
يَقُولُ عِبَادِي قَدْ أَتَوْنِي مَحَبَّةً * وَإِنِّي بِهِمْ بَرٌّ أَجُودُ وَأَرْحَمُ
فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ * وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا أَمَّلُوهُ وَأَنْعِمُ
فَبُشْرَاكُمُ يَا أَهْلَ ذَا المَوْقِفِ الَّذِي * بِهِ يَغْفِرُ اللهُ الذُّنُوبَ وَيَرْحَمُ
فَكَمْ مِنْ عَتِيقٍ فِيهِ كَمَّلَ عِتْقَهُ * وَآخَرُ يَسْتَسْعَى وَرَبُّكَ أَرْحَمُ

التحذير من التسويف والتهاون

عباد الله، إن من وجب عليه الحج وهو قادر ببدنه وماله ثم لم يحج، فعليه أن يعلم أنه على خطر عظيم، وأنه قد ظلم نفسه ظلماً مبيناً. الحج ركن من أركان الإسلام، والتفريط فيه تهاون بأصل من أصول الدين. قال ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

وقد ورد في الوعيد لتارك الحج مع الاستطاعة آثار تزلزل القلوب؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «مَنْ مَلَكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ بِأَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا». وهذا الأثر وإن كان من باب التغليظ والتحذير، إلا أنه يبين فداحة الجرم.

وقد فصل الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله في هذه المسألة بقوله: «الحج فريضة على كل مسلم مكلف مستطيع من الرجال والنساء مرة واحدة في العمر… ومن تركه وهو قادر فهو على خطر… وهو عاصٍ إذا ترك الحج وهو يستطيع، تركه تساهلاً فهو عاصٍ، ويُروى عن عمر أنه قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، والمقصود من هذا كله التحذير والترهيب من التساهل، وإلا فالذي ترك الحج وهو مستطيع قد عصى ولكنه ليس بكافر». كما نبه رحمه الله إلى شرط المحرم للمرأة، فإذا لم تجد محرماً فلا حج عليها حتى يتيسر لها ذلك.

فقه المناسك والالتزام بالأنظمة

على كل من عزم على الحج أن يتفقه في دينه، ويتعلم أحكام المناسك قبل سفره، ليعبد الله على بصيرة. ومن التيسير الذي شرعه الله اختيار النسك المناسب؛ فمن وصل متأخراً في اليوم السابع أو الثامن ومعه أهله، فالأفضل والأيسر له الإفراد، ليقدم سعي الحج قبل عرفة، ويخفف عن نفسه وعن غيره من الحجيج.

كذلك، من أوجب الواجبات في زماننا هذا الالتزام بالتعليمات والأنظمة التي تضعها الجهات المسؤولة، وعلى رأسها الحصول على “تصاريح الحج”. إن هذه التصاريح لم تُوضع إلا لتحقيق مصلحة الحجيج، وتنظيم الجموع، والحفاظ على الأرواح. وإن مخالفة ولي الأمر بالحج بطرق غير نظامية أمر محرم شرعاً، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، وتضييق على المسلمين، وإرباك لخطط التنظيم والأمن.

لقد فتحت أبواب التصاريح منذ فترة، فلا يسوغ لمستطيع أن يسوّف أو يتردد، ولا يجوز له أن يسلك مسالك الالتفاف على الأنظمة. إن طاعة ولي الأمر في هذا التنظيم هي من طاعة الله التي تحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والنظام العام.

خاتمة ودعاء

أيها المسلمون، إن رحلة الحج هي رحلة العمر، فاجعلوها خالصة لوجه الله، قائمة على اتباع سنة نبيه ﷺ، وملتزمة بآداب الإسلام وأنظمته. تعلموا المناسك من الكتب الموثوقة والدروس العلمية للعلماء الثقات، واسألوا الله القبول.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واختم بالصالحات آجالنا، ويسر للحجيج حجهم، وتقبل منهم طاعاتهم، واغفر لنا ولهم أجمعين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *