قمة إسلام آباد: انطلاق مفاوضات إيران وأمريكا بحضور وفود رفيعة المستوى
تتجه أنظار العالم اليوم إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تشهد انطلاق جولة مفاوضات إيران وأمريكا في ثالث أيام الهدنة المشروطة. وقد وصلت الوفود الرسمية في أجواء مشحونة بالترقب، حيث يترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، يرافقه مستشار الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف. في المقابل، يمثل الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في خطوة تعكس جدية المساعي الدبلوماسية لاحتواء الصراع الإقليمي.
استقبل الجانبين وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار وقائد الجيش عاصم منير، حيث تلعب باكستان دور الوسيط المحوري في هذا المسار التفاوضي التاريخي. وتأتي هذه المحادثات بعد أسابيع من التوتر العسكري، وتهدف إلى مناقشة ملفات شائكة تشمل السيطرة على مضيق هرمز، ومستقبل برنامج إيران النووي، واستمرار العمليات العسكرية في الجبهة اللبنانية.
شروط مسبقة وملفات اقتصادية: الأصول المجمدة وأسعار النفط
رغم التفاؤل الحذر، برزت العقبات مبكراً مع تصريحات محمد باقر قاليباف، الذي أكد ضرورة رفع التجميد عن الأصول الإيرانية كشرط أساسي للمضي قدماً في المفاوضات. وفي المقابل، نفت مصادر أمريكية رسمية حدوث أي إفراج عن هذه الأصول حتى الآن، مما يضع المفاوضين أمام اختبار صعب لإيجاد صيغة توافقية ترضي الجمهور الداخلي في كلا البلدين.
اقتصادياً، ألقى الصراع بظلاله على أسواق الطاقة العالمية؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشال” أن الولايات المتحدة مستعدة لتعويض النقص العالمي في الإمدادات، مشيراً إلى أن ناقلات النفط تتجه للتحميل من الموانئ الأمريكية. وقد شهدت أسعار خام برنت تقلبات حادة، حيث تراجعت من 111 دولاراً إلى نحو 92 دولاراً للبرميل عقب الإعلان عن الهدنة وإعادة فتح مضيق هرمز، لكنها لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها السابقة قبل اندلاع المواجهات في فبراير الماضي.
الجبهة اللبنانية: مفاوضات واشنطن المرتقبة وتصاعد الميدان
بالتوازي مع مسار إسلام آباد، تستعد واشنطن لاستضافة أولى جلسات التفاوض بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين الأسبوع المقبل، في محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان. ورغم الضغوط الأمريكية التي أدت إلى تراجع حدة الغارات الإسرائيلية على بيروت، إلا أن الميدان في جنوب لبنان لا يزال مشتعلاً، حيث أسفرت الغارات الأخيرة عن سقوط ضحايا بينهم مسعفون، بينما استمر حزب الله في إطلاق الرشقات الصاروخية عبر الحدود.
داخلياً، يواجه لبنان انقساماً حاداً؛ إذ أعلن النائب عن حزب الله، حسن فضل الله، رفض الحزب للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبراً إياها خرقاً للدستور. وفي سياق متصل، حذر الرئيس اللبناني جوزاف عون من أن نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن يتم بالقوة، مؤكداً على ضرورة التوافق الوطني لتجنب اندلاع حرب أهلية جديدة، في ظل أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة يعيشها البلد.
دور الوساطة الباكستانية والتوترات الإقليمية في العراق
كشفت مصادر مطلعة أن باكستان نجحت في بناء جسور التواصل عبر دائرة دبلوماسية ضيقة، مستغلة علاقاتها “الأخوية” مع طهران وعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن. وقد دعا وزير التخطيط الباكستاني، أحسن إقبال، إلى ضرورة شمول لبنان في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، محذراً من أن استمرار النزيف في جزء من المنطقة قد يقوض نجاح مفاوضات إيران وأمريكا في إسلام آباد.
وفي تطور أمني لافت، امتدت تداعيات الصراع إلى العراق، حيث أفادت تقارير بسقوط مسيرة في مجمع مطار بغداد الدولي قرب دبلوماسيين أمريكيين، رغم إعلان الفصائل الموالية لإيران وقف هجماتها مؤقتاً. هذا الحادث يسلط الضوء على هشاشة الهدنة وصعوبة السيطرة على كافة الأطراف الفاعلة في المنطقة، مما يزيد من تعقيد المهمة الملقاة على عاتق المفاوضين في الجولة الحالية.
أبعاد إنسانية ورسائل سياسية خلف طاولة المفاوضات
لم تخلُ التحركات الدبلوماسية من رسائل رمزية؛ حيث نشر رئيس البرلمان الإيراني صوراً لحقائب مدرسية محترقة لطلاب قُتلوا في غارات سابقة، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية. وتأتي هذه الخطوة في وقت كشفت فيه وزارة التعليم الإيرانية عن مقتل مئات الطلاب والمعلمين وتضرر مئات المدارس منذ بداية الحرب. في المقابل، يراهن الجانب الأمريكي على ممارسة ضغوط قصوى لتحقيق مكاسب استراتيجية قبل التوصل إلى أي اتفاق دائم، مما يترك الباب مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الشرق الأوسط.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً