جغرافيا بعيدة وأزمات قريبة: كيف تدفع أفريقيا ثمن الصراعات الإقليمية؟
على الرغم من المسافات الجغرافية الشاسعة، لم تكن القارة الأفريقية بمعزل عن الهزات الارتدادية العنيفة للنزاعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. حيث تواجه دول القارة ضغوطاً اقتصادية متزايدة تسببت في إرهاق كاهل المواطنين وتهديد الاستقرار التنموي، وفقاً لتقارير دولية حديثة.
تحذيرات أممية من "خطر جسيم"
أطلق الاتحاد الأفريقي، بالتعاون مع بنك التنمية الأفريقي ووكالات الأمم المتحدة، صرخة تحذير من أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تشكل خطراً داهماً على مستقبل القارة. وتكمن أهمية المنطقة لأفريقيا في أرقام التجارة البينية؛ حيث يستحوذ الشرق الأوسط على نحو 15.8% من واردات أفريقيا و 10.9% من صادراتها، مما يجعل أي اضطراب هناك بمثابة زلزال اقتصادي في القارة السمراء.
وتشير التوقعات إلى احتمال انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بنسبة 0.2 نقطة مئوية بحلول عام 2026، في حال استمرار النزاع لفترة تتجاوز الستة أشهر.
أزمة الطاقة وغلاء المعيشة
أدت الاضطرابات في الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات الطاقة العالمية، إلى نتائج كارثية على الأسواق الأفريقية:
- ارتفاع أسعار الوقود: قفزت أسعار خام برنت والغاز الطبيعي بنسب تتراوح بين 50% إلى 60%.
- تكاليف الإنتاج: انعكس ارتفاع أسعار الديزل والغاز مباشرة على تكلفة توليد الكهرباء والنقل والشحن.
- موجة التضخم: تحولت الصدمة التجارية سريعاً إلى أزمة غلاء معيشة طاحنة نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار.
تهديد الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد
لم يتوقف الضرر عند حدود الطاقة، بل امتد ليشمل "لقمة العيش". فمضيق هرمز يعد شرياناً لثلث تجارة الأسمدة العالمية (اليوريا والأمونيا). ومع تعطل المصانع في دول الخليج نتيجة التوترات، واجه المزارعون الأفارقة نقصاً حاداً في الأسمدة وارتفاعاً في أسعارها، مما يهدد المواسم الزراعية ويدفع دولاً مثل السنغال وتونس لاتخاذ إجراءات تقشفية أو رقابية مشددة.
فخ الديون وتراجع العملات المحلية
وفقاً لبيانات بنك التنمية الأفريقي، شهدت 29 دولة أفريقية تراجعاً ملحوظاً في قيمة عملاتها أمام الدولار. هذا الانخفاض أدى إلى:
- ارتفاع فاتورة الواردات من السلع الأساسية وقطع الغيار.
- تفاقم أزمة "التضخم المستورد".
- زيادة عبء خدمة الديون الخارجية، وهو ما يهدد دولاً مثل مصر، السودان، والسنغال بالعجز عن السداد.
رابحون وخاسرون في ظل الأزمة
رغم الصورة القاتمة، يشير التقرير إلى وجود مكاسب محدودة لبعض الدول الأفريقية:
- منتجو الطاقة: قد تستفيد نيجيريا وموزمبيق من ارتفاع أسعار النفط والغاز.
- الممرات المائية: انتعشت موانئ جنوب أفريقيا وناميبيا وموريشيوس نتيجة تغيير مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح هرباً من توترات البحر الأحمر.
ومع ذلك، تظل هذه المكاسب "متفاوتة ومحدودة" ولا تغطي حجم الخسائر الكلية الناتجة عن التضخم واضطراب الموازنات العامة.
حلول استراتيجية ومبادرات إنقاذ
لمواجهة هذه التحديات، أعلن البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفركسيم بنك) عن برنامج دعم بقيمة 10 مليارات دولار. يهدف هذا البرنامج إلى:
- توفير السيولة بالعملات الأجنبية لتأمين الواردات الأساسية (غذاء، وقود، دواء).
- دعم مشاريع البنية التحتية الحيوية والموانئ لتعزيز القدرة على الصمود.
- تشجيع التوجه نحو الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.
إن صمود أفريقيا أمام تداعيات الحرب في الشرق الأوسط يتطلب تكاتفاً دولياً لدعم الأسر الفقيرة وتجنب الاضطرابات الاجتماعية التي قد تنتج عن انعدام الأمن الغذائي.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً