تجديد البناء الفقهي: مدخل استراتيجي إلى علوم الفقه ودورها الحضاري

تجديد البناء الفقهي: مدخل استراتيجي إلى علوم الفقه ودورها الحضاري

مقدمة: في رحاب علوم الفقه الفسيحة

إنَّ المتأمّل في مآلات العلوم الشرعية يدركُ يقيناً أنَّ الشريعةَ الغرّاء بحرٌ لا يُدركُ قعرُه، وأنَّ الفقهَ الإسلاميَّ بآفاقه الممتدة هو أضخمُ علومِ هذه الملةِ قاطبةً. وإذا كان من المستقرِّ عند أربابِ العلمِ إطلاقُ مصطلحاتٍ جامعةٍ كـ (علوم الحديث) و(علوم القرآن)، فإنَّ حصرَ الفقهِ في مسمّى العلمِ الواحدِ يضيقُ عن استيعابِ جلالةِ قدرِه وتشعُّبِ فنونِه. ومن هنا، تبرزُ الحاجةُ الملحّةُ لتكريسِ مصطلح (علوم الفقه)؛ بوصفه المظلةَ الجامعةَ لكلِّ ما يتصلُ بالأحكامِ والتشريعِ، تأصيلاً وتفريعاً، ليكونَ الفقهُ كما كان دوماً: نبضَ الحياةِ، ومنهاجَ الناسِ، ودليلَ الحضارةِ.

مراجعة البنية الفقهية: من الجزئية إلى الكلية

لقد ركنت البنيةُ الفقهيةُ في عصورِها المتأخرةِ -مع شديدِ الأسفِ- إلى الانحصارِ في دائرةِ الأحكامِ الفرعيةِ فحسب، حيثُ غدا جُلُّ الاشتغالِ منصبّاً على استخراجِ حكمٍ لنازلةٍ عبرَ الاجتهادِ، أو ترجيحِ قولٍ على آخرَ في المسائلِ الخلافيةِ. ورغمَ جلالةِ هذا المسلكِ وأهميتِه، إلا أنَّ غلبةَ التفكيرِ الجزئيِّ قد حجبتْ الرؤيةَ الكليةَ التي يحتاجها الفقيهُ المعاصرُ.

إنَّ الفقهَ علمٌ حيٌّ متجددٌ، وهذا يوجبُ علينا إعادةَ النظرِ في بنيتِه المعرفيةِ ودورِه الاجتماعيِّ، ليكونَ رافداً في إحياءِ عقلِ الأمةِ. إنَّ استحضارَ منظومةِ علوم الفقه بجميعِ زواياها المتكاملةِ هو السبيلُ الوحيدُ لاستعادةِ الحيويةِ الفقهيةِ، والنهوضِ بالدورِ الحضاريِّ للأمةِ الإسلاميةِ.

مرافئ التنوع في علوم الفقه: قراءة في تصنيف الزركشي

لقد أشارَ الإمامُ الزركشيُّ الشافعيُّ (رحمه الله) إلى أنَّ أنواعَ الفقهِ عشرةٌ، والمتأملُ في اتساعِ العلومِ يجدُها تزيدُ على ذلك، ومن أبرزِ هذه الأنواعِ التي تشكّلُ عصبَ التكوينِ العلميِّ للفقيهِ:

أولاً: فقه الفروع والأحكام

وهو الركنُ الركينُ الذي تنصرفُ إليه الأذهانُ عند إطلاقِ لفظِ الفقهِ، ويشملُ:

  • الأحكامَ المعلومةَ بالنصِّ صراحةً دونَ حاجةٍ لاجتهادٍ.
  • الأحكامَ المستنبطةَ بطريقِ الاستنباطِ والنظرِ.
  • المتونَ والشروحَ والحواشي، وفقهَ المذاهبِ، والفقهَ المقارنَ.

ثانياً: فن الجمع والفرق

وهو العلمُ الذي يُعنى بالقواعدِ الجامعةِ للمسائلِ المتفرقةِ، وبيانِ الفروقِ الدقيقةِ بين المسائلِ المتشابهةِ في الظاهرِ والمختلفةِ في المأخذِ. وقد أُثِرَ عن بعضِ السلفِ قولهم: "الفقه فرق وجمع". والأصلُ في هذا الفنِّ تقديمُ الجمعِ بين المسألتينِ على افتراقِهما ما لم يظهرْ فرقٌ مؤثرٌ.

ثالثاً: دقائق العلم والمسائل العويصة

وتندرجُ تحتَها أنواعٌ فرعيةٌ تهدفُ إلى صقلِ ملكةِ الفقيهِ وتدريبِ ذهنِه، ومنها:

  • دقيقُ العلمِ: وهي المسائلُ العويصةُ التي تُنقّحُ الأذهانَ، وقد قال الإمامُ الشافعيُّ (رضي الله عنه) للزعفرانيِّ (رحمه الله): "تعلم دقيق العلم كي لا يضيع". ومن مصنفاته: (المطارحات) لابن القطان.
  • النظائرُ: مسائلُ تشبهُ الصحيحَ لكنها فاسدةٌ، لتمييزِ الحقِّ من الباطلِ.
  • الامتحانُ والألغازُ: مسائلُ يُختبرُ بها ذكاءُ الفقيهِ ودقتُه، ككتاب (درة الغواص) لابن فرحون المالكي، و(حلية الطراز) للجراعي الحنبلي.

رابعاً: علم الحيل والمخارج الشرعية

وهي الوسائلُ التي أباحَها الشارعُ الحكيمُ للتخلصِ من الضيقِ أو رفعِ الحرجِ والمكروه، وقد أفردَ لها الأئمةُ مصنفاتٍ مستقلةً، ككتاب (الحيل) للخصاف، وما أورده الإمامُ ابنُ القيم (رحمه الله) في كتابه الفذ (إعلام الموقعين عن رب العالمين).

خامساً: أصول الفقه (العلم الأتم والأكمل)

وهو معرفةُ الضوابطِ الكليةِ والقواعدِ التي تُرَدُّ إليها الفروعُ، وهو في الحقيقةِ أصولُ الفقهِ على وجهِ التحقيقِ، وبه يرتقي الفقيهُ إلى مراتبِ الاجتهادِ.

سادساً: لغة الفقهاء واصطلاحاتهم

بيانُ المقاصدِ من الألفاظِ والمصطلحاتِ التي يستعملُها الفقهاءُ تمييزاً لها عن المعاني اللغويةِ أو العرفيةِ، ومن أهم مراجعِها: (أنيس الفقهاء) للقونوي، و(معجم لغة الفقهاء) لقلعه جي.

سابعاً: فقه النوازل والفتيا

وهو العلمُ الذي يجمعُ إجاباتِ المجتهدينَ على أسئلةِ المستفتينَ فيما استجدَّ من وقائعَ، كفتاوى ابن الصلاح، والنووي، وابن تيمية (رحمهم الله جميعاً)، وصولاً إلى فتاوى المجامعِ الفقهيةِ المعاصرةِ.

ثامناً: الاختيارات الفقهية والنظريات

  • الاختيارات: وهي ترجيحاتُ الفقيهِ بناءً على قوةِ الدليلِ دونَ تقيدٍ بمذهبٍ، كاختياراتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ.
  • النظرياتُ الفقهيةُ: وهي صياغةٌ حديثةٌ تنظمُ الأحكامَ المتناثرةَ حولَ موضوعٍ واحدٍ (كالعقدِ أو الملكيةِ) في بناءٍ منهجيٍّ متكاملٍ، ويُعدُّ الشيخُ مصطفى الزرقا (رحمه الله) رائدَ هذا المجالِ في عصرِنا بـ (المدخل إلى الفقه العام).

خاتمة: نحو نهضة فقهية شاملة

إنَّ الفقهَ أكبرُ من أنْ يُحبسَ في قوالبَ جامدةٍ، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ من علوم الفقه التي تشكلُ عقلَ الأمةِ ووجدانَها. إنَّ القصدَ من هذا التأصيلِ ليس مجردَ الترفِ الفكريِّ، بل هو دعوةٌ لإعادةِ تشكيلِ البنيةِ الفقهيةِ بما يكفلُ لها الريادةَ في الاجتهادِ المعرفيِّ، والمساهمةَ الفاعلةَ في بناءِ الحضارةِ الإنسانيةِ على هدىً من اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم. نسألُ اللهَ عز وجل أن يفقّهنا في دينِنا، وأن يجعلَ علمَنا حجةً لنا لا علينا، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *