هل غدت الكاميرا أداة توثيق أم نصلًا يغرس في خاصرة الخصوصية؟
في عصر السيولة الرقمية، لم تعد الصورة مجرد حبسٍ للضوء في إطار، بل تحولت إلى شرارة قد تُشعل فتيل أزمات كبرى. هذا ما تجسد بوضوح في شوارع لندن مؤخرًا، حيث تحولت حافلة نقل عامة بسيطة إلى مسرح لواقعة أثارت عاصفة من الإسلاموفوبيا على منصة "إكس"، محققة أرقامًا تعكس حجم الاستقطاب في المجتمعات الغربية المعاصرة.
مشهد الحافلة: حين تنتهك الخصوصية باسم "النقاش العام"
بدأت فصول القصة حين قرر المصور البريطاني "أليستر هيلتون" التقاط صورة لسيدة منتقبة تجلس في هدوء داخل حافلة عامة. لم يكن الفعل عفويًا، بل جاء مشحونًا بسياق سياسي متوتر، حيث أرفق الصورة بتعليق يشير إلى استعداده للمشاركة في مسيرات "توحيد المملكة" التي يقودها اليمين المتطرف.
هذه الصورة، التي قد تبدو عابرة في عين المصور، حصدت أرقامًا فلكية في الفضاء الرقمي:
- أكثر من 2.5 مليون مشاهدة في وقت قياسي.
- آلاف الردود التي تراوحت بين الهجوم العنيف والدفاع الخجول.
- تحول المنشور إلى نموذج صارخ لما يُعرف بـ التحرش الرقمي، وهو استهداف الأفراد بناءً على هويتهم البصرية في الفضاءات العامة.
التحرش الرقمي تحت مجهر النقد الأدبي والأخلاقي
إن ما حدث ليس مجرد نقاش حول اللباس، بل هو تجسيد لظاهرة "التلصص الأيديولوجي"؛ حيث تُنتزع صورة الإنسان من سياقها الإنساني لتوضع في سياق سياسي عدائي. وقد برزت أصوات نسائية وحقوقية قوية لتفكيك هذا السلوك المشين:
- خديجة خان (كاتبة وصحفية): رأت أن الصورة تعري صاحبها أخلاقيًا أكثر مما تكشف عن السيدة المنتقبة، واصفة الفعل بأنه "مقزز" ولا مبرر له.
- إيما غالاغر (ناشطة): سلطت الضوء على تناقض خطاب اليمين الذي يدعي حماية النساء بينما يمارس الترهيب ضدهن بتصويرهن خلسة.
- الدكتورة رحمة العدوان: اعتبرت السلوك انحدارًا في المعايير الإنسانية والأخلاقية التي يجب أن تحكم المجتمعات المتحضرة.
ازدواجية المعايير وصناعة "الآخر"
في قراءة أعمق للمشهد، تبرز إشكالية الإسلاموفوبيا كظاهرة بنيوية. فقد طرح الناشط "ألبي أمانكونا" تساؤلاً جوهرياً يمس جوهر العدالة الاجتماعية: ماذا لو كان المستهدف شخصاً من خلفية دينية أخرى، كيهودي متدين مثلاً، في سياق مسيرة مؤيدة لفلسطين؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تكشف بوضوح عن "الكيل بمكيالين" في التعامل مع الرموز الدينية الإسلامية في أوروبا.
الموقف البريطاني: بين التهذيب والتوحش الرقمي
لخصت الباحثة "أكيلة أحمد"، الحاصلة على وسام الإمبراطورية البريطانية، الموقف بعبارة بليغة: "أن تكون بريطانيًا يعني أن تكون مهذبًا وتحافظ على هدوئك. هذا تحرش".
هذا التصريح يعيدنا إلى المربع الأول في فلسفة التعايش؛ فالتحرش الرقمي ليس مجرد ضغط على زر التصوير، بل هو محاولة لإقصاء المكون المسلم من الفضاء العام عبر بوابة الترهيب النفسي.
خاتمة: نحو ميثاق أخلاقي للفضاء الرقمي
إن واقعة "حافلة لندن" تضعنا أمام مرآة الحقيقة؛ فالحرية التي لا تحترم خصوصية الضعفاء هي غابة مقنعة بالقوانين. إن الإسلاموفوبيا اليوم لم تعد مجرد أفكار حبيسة الصدور، بل غدت ممارسات رقمية عابرة للحدود تستهدف السلم المجتمعي. إن الحكمة تقتضي أن ندرك أن جمال المجتمعات يكمن في تنوعها، وأن احترام إنسان غريب يجلس في حافلة هو أسمى مراتب الرقي الإنساني الذي تدعو إليه كل الحضارات والأديان.



اترك تعليقاً