فضائل شهر الله المحرم: درة الشهور وفاتحة العام الهجري

فضائل شهر الله المحرم: درة الشهور وفاتحة العام الهجري

مقدمة: في رحاب النفحات القدسية

مع إشراقة كل عام هجري جديد، تطل علينا نفحة من نفحات المولى سبحانه وتعالى، متمثلة في شهر الله المحرم، ذلك الشهر الذي اصطفاه الله من بين سائر الشهور، وجعله فاتحة للزمان، ومستودعاً للبركات. إن الحديث عن فضائل شهر الله المحرم ليس مجرد سردٍ لتاريخ، بل هو غوصٌ في أسرار الاصطفاء الإلهي، واستنهاضٌ للهمم في مضمار العبادة، حيث يتجلى تعظيم الله لهذا الشهر في تسميته ونسبته إليه سبحانه، مما يضفي عليه هيبةً وجلالاً في قلوب المؤمنين.

سر الإضافة والتشريف الإلهي

لقد سَمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم (شهر الله) وهذا يدل على فضله ومكانته ورفعته، فالله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته. ففي هذه الإضافة من التشريف ما لا يخفى، إذ يقول الزمخشري: "أضافه إليه عز اسمه تعظيمًا له وتفخيمًا كقولهم: بيت الله وآل الله لقريش".

وقد خُصَّ بهذه الإضافة دون بقية الشهور مع أن فيها أفضل منه إجماعًا؛ لأنه اسم إسلامي فإن اسمه في الجاهلية صفر الأول وبقية الشهور متحدة الأسماء جاهلية وإسلامًا.

وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عز وجل: إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرًا، فأشار إلى شهر الله الذي حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره.

فضل الصيام في شهر الله المحرم

لما كان هذا الشهر مختصاً بإضافته إلى الله سبحانه وتعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافاً إلى الله عز وجل؛ فإنه له من بين الأعمال، ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ”.

مراتب الصيام وتفضيله

  • التطوع المطلق: إن الصيام في شهر الله المحرم من أفضل الصيام بعد شهر رمضان المعظم. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ».
  • افتتاح السنة بالخير: هو أفضل شهر يتطوع بصومه كاملًا بعد رمضان. فأما التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصوم عرفة وعشر الحجة ذكره الحافظ ابن رجب، وذلك لأنه أول السنة المستأنفة وافتتاحها بالصوم الذي هو ضياء أفضل الأعمال.
  • ترتيب الأشهر الحرم: قال الزمخشري: خصه من بين الأشهر الحرم لمكان عاشوراء فأفضل الأشهر لصوم التطوع المحرم ثم رجب ثم بقية الأشهر الحرم ثم شعبان.

والظاهر أن التطوع المطلق بالصوم أفضله المحرم كما أن أفضل النفل المطلق صلاة الليل وما صيامه تبع كصوم ما قبل رمضان وما بعده فليس من المطلق بل صومه تبع لرمضان ولذا قيل إن صوم ست شوال يلحق رمضان ويكتب معه بصيام الدهر فرضا فهذا النوع صومه أفضل التطوع مطلقا والمطلق أفضله المحرم.

تعظيم الحرمات في الأشهر الحرم

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]. وسميت حُرمًا؛ لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها.

وقد استفاض السلف في بيان عظمة هذه الشهور:

  1. ابن عباس رضي الله عنه: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ} الآية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
  2. قتادة رحمه الله: قال في قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه. اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد. واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله. فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.
  3. محمد بن إسحاق: قال: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي لا تجعلوا حرامها حلالًا ولا حلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية.

استدارة الزمان وبداية التاريخ

عَنْ أَبِى بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».

وبهذا الشهر تبدأ شهور السنة الهجرية، وقد اتفق على ذلك في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وفيه تكتب الكتب، ويؤرخ فيه التاريخ، وفيه تضرب الورق، مما يجعله ركيزة في هوية الأمة وتنظيم شؤونها.

خاتمة: دعوة للتأمل والعمل

إن شهر الله المحرم ليس مجرد رقم في تقويم، بل هو فرصة سانحة لتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى، وافتتاح العام بصفحة بيضاء تزدان بالصيام والقيام والذكر. فمن عظم ما عظم الله، فقد أوتي حظاً عظيماً من الفهم والعقل. فنسأل الله عز وجل أن يبارك لنا في شهرنا هذا، وأن يعيننا فيه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعله عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *