مقدمة في قدسية الزمان
يطلّ علينا شهر الله المحرم ليعلن استهلال عام هجري جديد، حاملاً في طياته نفحات إيمانية تسمو بها الأرواح، وتتوق فيها القلوب إلى مرضاة باريها. وإن من أعظم أيام هذا الشهر المبارك قدراً، وأجزلها أجراً، هو يوم عاشوراء؛ ذلك اليوم الذي تجلت فيه عظمة الخالق سبحانه وتعالى في نصرة الحق وإعلاء كلمته. وقد استفاضت السنة النبوية المطهرة في تبيان فضائل يوم عاشوراء، كاشفة عن مكانته السامية في ميزان الشريعة الغراء، ليكون منارة للمؤمنين في التوبة والاستقامة.
عاشوراء: ميقات التوبة وبداية الخليقة
ارتبط يوم عاشوراء منذ فجر التاريخ بأحداث جسام، جعلت منه يوماً مشهوداً في سجل الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل. ففي هذا اليوم، غمرت رحمة الله تعالى أبا البشر، فكان مآله القبول والغفران.
- فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم.
- وقال قتادة: “كنا نتحدث اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء”.
- وعن نجاة أهل الإيمان، قال قتادة: “ركب نوح في السفينة في رجب يوم عشر بقين، ونزل من السفينة يوم عاشوراء”.
يوم التوبة وغفران الذنوب العظام
لطالما كان هذا اليوم ملاذاً للمذنبين الوجلين، ومحطة لتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى، وقد تواترت الآثار في تسميته بيوم التوبة.
فعن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صوم عاشوراء، فقال: “إن المحرم شهر الله عز وجل، وإن فيه يوم عاشوراء أذنب فيه قوم ذنباً عظيماً فتابوا فيه، فكان يسمى يوم التوبة، قال: فلا يمرن عليك إلا صمته”.
وعن وهب: إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: “أن مر قومك يتوبوا إلي في أول عشر المحرم فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي حتى أغفر لهم”.
عاشوراء في العهد النبوي: من الجاهلية إلى الإسلام
لم يكن تعظيم هذا اليوم وليد الصدفة، بل كان أمراً مستقراً حتى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الإسلام ليؤكد هذه المكانة ويهذب شعائرها.
فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى تَصُومُونَهُ ؟». فقالوا: “هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ». فصامه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأمر بصيامه.
فضل صيام شهر الله المحرم وعاشوراء
حث النبي صلى الله عليه وسلم على اغتنام أيام هذا الشهر بالصيام، وخص عاشوراء بمزيد من العناية.
عن علي (رضي الله عنه) قال: سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال له: ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنا قاعد عنده، فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: “إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصُمْ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ”.
كسوة الكعبة وتعظيم البيت العتيق
من اللطائف التاريخية المرتبطة بهذا اليوم، ما ورد عن تعظيم الكعبة المشرفة فيه، مما يدل على شرفه عند العرب قديماً.
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: “كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ»”.
ويعلق أبو جعفر الباقر على ذلك بقوله: “إن الأمر استمر على ذلك في زمانهم، وقد تغير ذلك بعد فصارت تكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوه الكسوة الجديدة”.
تحري الفضل وتكفير الآثام
لقد كان الصحابة والتابعون يترقبون هذا اليوم ترقب الظمآن للماء، طمعاً في نيل الثواب الذي خصه الله به.
فعن عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وسئل عن صيام يوم عاشوراء. فقال: “مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ وَلاَ شَهْرًا إِلاَّ هَذَا الشَّهْرَ (يعني رمضان)”.
أما عن عظيم الأجر في تكفير الذنوب، فقد جاء في حديث أبي قتادة (رضي الله عنه) الطويل، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «…وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ».
دروس وعبر من يوم النجاة
إن المتأمل في فضائل يوم عاشوراء يستخلص حكماً جليلة، منها:
- شكر المنعم: فالصيام في هذا اليوم هو تعبير عن الشكر لله على نجاة أوليائه.
- وحدة الرسالات: فالمسلمون أولى بموسى عليه السلام، مما يؤكد وحدة المنهج الرباني.
- مضاعفة الأجر: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال: “مَنْ صَامَ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ فِيهِ كَانَ كَصَدَقَةِ السَّنَةِ”.
خاتمة: استنهاض الهمم
ختاماً، إن يوم عاشوراء يمثل فرصة سانحة لكل مؤمن يرغب في غسل أدران الذنوب، وتجديد العزم على الطاعة. هو يوم يذكرنا بأن نصر الله آتٍ لا محالة، وأن التوبة باب مفتوح لا يغلق في وجه القاصدين. فاجعل من هذا اليوم منطلقاً لحياة ملؤها الإيمان، واغتنم فضله بالصيام والذكر والصدقة، لعل الله يكتبنا فيه من المقبولين، ويجعل عامنا هذا عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين.



اترك تعليقاً