فقه العلوم: نحو تأصيلٍ معرفيٍّ يستعيدُ ريادةَ العقلِ المسلم
إنَّ المتأملَ في خارطةِ الفكرِ المعاصرِ يلحظُ استلاباً إبستيمولوجياً يفرضُ سطوتَهُ على المناهجِ المعرفيةِ في فضائنا العربيِّ والإسلامي، ومن هنا يبرزُ مشروعُ الأستاذ الدكتور إدريس نغش الجابري؛ الباحثُ المغربيُّ الفذُّ الذي يجمعُ بين رصانةِ الفلسفةِ وعمقِ علمِ النفس، ليقدمَ لنا رؤيةً نقديةً تتجاوزُ التقليدَ الغربيَّ نحو فضاءٍ أرحبَ سماهُ "فقه العلوم". إنَّ هذا المشروعَ ليس مجردَ استبدالٍ لمصطلحٍ بآخر، بل هو سعيٌ حثيثٌ لتبيئةِ المعرفةِ واستنباتِها في تربتِها الحضاريةِ الأولى.
إدريس الجابري: سيرةٌ علميةٌ في خدمةِ التراث
يُعدُّ الدكتور الجابري قامةً علميةً سامقة، فهو الأستاذُ الزائرُ بجامعةِ القرويين، والحاصلُ على دكتوراه في الفلسفةِ وأخرى في علمِ النفس. وقد تجلى عطاؤُهُ في تأسيسِ صروحٍ معرفيةٍ كـ "أكاديمية نماء للعلوم الإسلامية والإنسانية"، و"مركز ابن البنا المراكشي". ولم يكتفِ بالتنظير، بل أثرى المكتبةَ الإسلاميةَ بمؤلفاتٍ مرجعية، أهمها كتابه الفذ: "الضروري في فقه العلوم" بجزأيه، ليضعَ بذلك حجرَ الأساسِ لمنهجٍ إسلاميٍّ محكمٍ في قراءةِ العلمِ وتاريخه.
من الإبستيمولوجيا إلى فقه العلوم: تجاوزٌ لا ترجمة
يرى الدكتور الجابري أنَّ مصطلحَ "فقه العلوم" هو البديلُ الأصيلُ لما يُعرفُ في التقليدِ الأنجلوفوني بـ "فلسفة العلوم" وفي التقليدِ الفرنكوفوني بـ "الإبستيمولوجيا". ويكمنُ وجهُ التجاوزِ في النقاطِ التالية:
- محدودية الموضوع: اشتغلت الإبستيمولوجيا الغربيةُ تاريخياً على المادةِ العلميةِ الطبيعيةِ (رياضيات، فيزياء، بيولوجيا)، بينما يمتدُ فقه العلوم ليمتحنَ أدواتِهِ في شبكةِ العلومِ الإسلاميةِ الشاسعة.
- الذاتية الحضارية: إنَّ مناهجَ العلومِ تتأثرُ بموضوعاتِها؛ لذا فإنَّ المادةَ الإسلاميةَ تقتضي إبستيمولوجيا مغايرةً في الجوهرِ والطبيعةِ عما سادَ في الغرب.
- العمق المعرفي: يفترضُ الجابريُّ أنَّ الترسانةَ العلميةَ الإسلاميةَ تتفوقُ في بنيتِها على ما قدمَهُ الغرب، ولو أُخضعت الإبستيمولوجيا الغربيةُ للمادةِ الإسلاميةِ لظهرت عيوبُها ومآزقُها.
التكامل المعرفي: ممارسةٌ حيةٌ لا تنظيرٌ للأزمات
في نقدٍ بليغٍ للمسارِ الغربي، يوضحُ الجابريُّ أنَّ مفهومَ "التكامل بين العلوم" في الغربِ جاءَ كعلاجٍ لـ "أزمة العلوم" التي طرحَها إدموند هوسرل وقبلَهُ أوغست كونت. أما في تراثِنا، فقد كان التكاملُ واقعاً معاشاً وبنيةً ذاتيةً في العقلِ العلمي، حيث:
- كان القانونُ الحاكمُ هو "قانون الخدمة" أو "التسلم والتسليم"؛ فكلُّ علمٍ يخدمُ غيرَهُ ويُخدمُ به.
- كان الأصوليُّ ينهلُ من المحدثِ واللغويِّ دون حرجٍ منهجي، لأنَّ التكاملَ كان ممارسةً لا مجردَ شعار.
- إنَّ غيابَ هذه الروحِ التكامليةِ في العصورِ المتأخرةِ كان علامةً على دخولِ الفكرِ الإسلامي مرحلةَ "الخريف" المعرفي.
الرباعية المعرفية: إعادةُ تصنيفِ العلومِ الإسلامية
يقترحُ الدكتور الجابري تصنيفاً جديداً ومبتكراً لعائلاتِ العلوم، يتجاوزُ الثنائيةَ الغربيةَ (طبيعية وإنسانية)، ليقسمَها إلى أربعِ عائلاتٍ كبرى:
- علوم الفرقان: وهي العلومُ الدائرةُ حولَ الوحيِ (القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة).
- علوم الإنسان: وعلى رأسِها علمُ الفقهِ وعلمُ الأخلاقِ وعمرانُ البشر، وهي تدرسُ المكلَّفَ في شتى مناحيه.
- علوم الأكوان: وتشملُ العلومَ الطبيعيةَ والماديةَ والرياضية.
- العلوم الآلية: وتنقسمُ إلى آلاتٍ استدلاليةٍ (كأصول الفقه وآداب البحث) وآلاتٍ لغويةٍ (كالنحو والبلاغة).
الخطأُ فضيلةٌ: رحابةُ الاجتهادِ في الفكرِ الإسلامي
يؤكدُ الجابريُّ أنَّ المسلمينَ سبقوا غاستون باشلار في اعتبارِ الخطأِ فضيلةً علمية. ففي ممارسةِ الاجتهاد، نجدُ أنَّ المجتهدَ مأجورٌ على خطئه، مما يجعلُ العلمَ عمليةً تصحيحيةً تراكميةً باستمرار. يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ". ومن هذا المنطلقِ الشرعي، يتأسسُ فقهُ العلومِ على أنَّ العلمَ الذي لا يراجعُ نفسَهُ ليس علماً، بل هو أيديولوجيا جامدة.
الخاتمة
إنَّ مشروعَ فقه العلوم الذي يبشرُ به الدكتور إدريس الجابري هو دعوةٌ لاستعادةِ الثقةِ في عقلِنا الحضاري، وتحفيزٌ للأجيالِ الجديدةِ لتقرأَ تراثَها بأدواتٍ تجمعُ بين دقةِ العصرِ وأصالةِ الوحي. نسألُ اللهَ عز وجل أن يبارك في هذا السعي، وأن يجعلَ العلمَ نافعاً للأمة، هادياً لسبلِ الرشاد، إنه سبحانه وتعالى وليُّ ذلك والقادرُ عليه.



اترك تعليقاً