رحيل شيخ النحاة الدكتور مازن المبارك: سبعون عاماً في حراسة لسان الضاد

رحيل شيخ النحاة الدكتور مازن المبارك: سبعون عاماً في حراسة لسان الضاد

رحيل شيخ النحاة الدكتور مازن المبارك: سبعون عاماً في حراسة لسان الضاد

إنّ فقد العلماء ثلمة في الدين لا تسد، ومصيبة في الأمة لا تجبر، فالعلم هو النور الذي تشرق به دياجير الجهالة، والعلماء هم ورثة الأنبياء. بقلوب راضية بقضاء الله وقدره، نعى مجمع اللغة العربية بدمشق، مساء السبت الخامس والعشرين من يوليو لعام 2026م، العلامة اللغوي والأديب السوري الفذ الدكتور مازن المبارك، عضو المجمع وأحد أركان الدراسات النحوية والمعجمية في العصر الحديث، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز ستة وتسعين عاماً، قضى جلّها في خدمة لغة القرآن الكريم.

وداع فارس العربية وسادن لسانها

لقد كان رحيل الدكتور مازن المبارك خسارة فادحة للأوساط العلمية والثقافية، ليس في سورية فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي قاطبة. فقد كان الراحل نموذجاً للعالم العامل، والباحث المحقق الذي لم يكلّ ولم يملّ من الذود عن حياض اللغة العربية. وتوّجت مسيرته الحافلة بحصوله عام 2025م على جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، تقديراً لعطائه الثر في نشر الوعي اللغوي وتحقيق التراث.

نشأة في رحاب العلم والتقى

ولد الفقيد في حي العمارة بدمشق سنة 1930م، في أسرة عريقة ضاربة في جذور العلم والفضل. نشأ في كنف والده العلامة الشيخ عبد القادر المبارك، أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، فنهل من معينه الصافي حب العربية والعلوم الشرعية.

وبعد وفاة والده، انتقلت رعايته إلى أخيه العلامة محمد المبارك، الذي كان علماً من أعلام الشريعة واللغة. وفي هذا المحيط الإيماني والعلمي، تتلمذ على يد جهابذة العصر، ومنهم:

  • الأستاذ سعيد الأفغاني.
  • الدكتور مصطفى الزرقا.
  • الشيخ محمد بهجة البيطار.
  • الأستاذ شفيق جبري.

رحلة الطلب والتحصيل المنهجي

نال الدكتور مازن المبارك إجازته في الآداب من جامعة دمشق سنة 1952م، وكان الأول على خريجيه، ثم شدّ الرحال إلى القاهرة لنيْل درجاته العليا. هناك، غاص في أعماق النحو العربي، فنال الماجستير عن تحقيقه لكتاب "الإيضاح في علل النحو" للزجاجي، ثم الدكتوراه عن أطروحته الفذة "الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه".

لقد كان منهجه في البحث يجمع بين دقة التحقيق وعمق التحليل، مؤمناً بأن اللغة هي وعاء الفكر وحصن الأمة الحصين.

عطاء أكاديمي عابر للأقطار

لم يقتصر عطاء المبارك على أسوار جامعة دمشق، بل طاف بجامعات العرب معلماً وموجهاً، فكان أستاذاً في:

  1. جامعة الرياض: حيث أسهم في وضع لبنات الدرس اللغوي.
  2. جامعة قطر: التي قضى فيها سنوات طوالاً أستاذاً ورئيساً لقسم اللغة العربية.
  3. جامعة دبي: حيث ترأس قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية.
  4. جامعة وهران بالجزائر: حيث حاضر في أثر اللغة العربية في توحيد صفوف العرب.

إرث علمي وتحقيق للتراث النحوي

ترك الراحل للمكتبة الإسلامية والعربية كنزاً ثميناً من المؤلفات والتحقيقات، تجلى فيها إخلاصه لـ الدكتور مازن المبارك ومنهجه العلمي الرصين. ومن أبرز أعماله:

  • في التحقيق: كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام، وكتاب "اللامات" للزجاجي، و"المقتضب" لابن جني.
  • في التأليف: "النحو العربي"، "الموجز في تاريخ البلاغة"، و"نحو وعي لغوي".
  • في الفكر الإسلامي واللغوي: سلسلة "هذه سبيلي" التي تضمنت أجزاءً منها: "لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجاً"، و"وهذا لسان عربي مبين".

لقد كان يؤمن إيماناً جازماً بأن العربية هي هوية ونسب، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على كيان الأمة وعقيدتها.

الخاتمة: رحيل الجسد وبقاء الأثر

رحم الله العلامة الدكتور مازن المبارك، فقد كان عالماً ربانياً، بليغ العبارة، نقي السريرة، جمع بين صرامة المنهج العلمي ودماثة الخلق النبوي. إننا إذ نعزي أنفسنا والأمة في هذا المصاب، لنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه في خدمة لغة كتابه العزيز في موازين حسناته، صدقة جارية وعلماً ينتفع به.

اللهم اغفر له وارحمه، وأجزل مثوبته، وألحقه بالصالحين في جنات النعيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *