هل يطيق الصبرُ لظى الهجير حين يغيبُ الضياء؟
تستفيق العاصمة الليبية طرابلس اليوم على مشهدٍ مهيب، حيث لم يعد الصمت خياراً والظلامُ يطبق على الأنفاس. ففي فجر هذا الاثنين، لم تكن النيران المشتعلة في الإطارات مجرد مصدر للدخان، بل كانت صرخةً مدوية في وجه أزمة الكهرباء في طرابلس التي بلغت مداها، محولةً ليل المدينة إلى أتونٍ من الاحتجاجات ونهارها إلى ساحة للعصيان المدني الشامل.
شرارة الغضب: حراك سوق الجمعة يتصدر المشهد
انطلقت شرارة العصيان من منطقة "سوق الجمعة"، حيث أعلن الحراك الشعبي هناك رفضه القاطع لاستمرار سياسات التسويف. وسرعان ما امتدت وشائج الاحتجاج لتشمل مناطق جنزور وتاجوراء، في ملحمة شعبية تعكس حجم المعاناة.
- إغلاق الشرايين الحيوية: شهد الطريق الساحلي في جنزور إغلاقاً تاماً، تعبيراً عن الضيق بوطأة ساعات الانقطاع الطويلة.
- شلل المؤسسات: لم تكتفِ الحشود بإغلاق الطرق، بل طالت الاحتجاجات مقار حيوية مثل شركة "ليبيانا للاتصالات" ووزارة الخارجية، التي وُضع أمام بواباتها ساترٌ ترابي يرمز إلى سدّ آفاق الحوار مع حكومةٍ يراها المحتجون عاجزة.
- المطالب السياسية: لم يعد المطلب خدمياً فحسب، بل تصاعدت الهتافات بضرورة رحيل الأجسام السياسية القائمة ومحاسبة الفاسدين.
لغة الأرقام: حين تتحدث المعاناة بلسان الإحصاء
إن ما يشهده المواطن الليبي اليوم ليس مجرد عجز تقني عابر، بل هو استنزاف لطاقة الإنسان قبل الآلة. وتتجلى أبعاد هذه الأزمة في النقاط التالية:
- ساعات الانقطاع: تتراوح مدة غياب التيار الكهربائي بين 10 إلى 12 ساعة يومياً، مما يترك البيوت والمستشفيات في مواجهة مباشرة مع موجة حر لافحة.
- سياسة تخفيف الأحمال: عادت الشركة العامة للكهرباء لتطبيق هذا الإجراء التقني، وهو مصطلح يشير إلى قطع التيار عمداً عن مناطق معينة للحفاظ على استقرار الشبكة من الانهيار الكلي، تماماً كما يُضطر الطبيب لبتر عضوٍ لإنقاذ الجسد.
- الوضع الاقتصادي: تزامنت هذه الأزمة مع ارتفاع حاد في الأسعار وتذبذبٍ في قيمة العملة المحلية، مما ضاعف من وطأة المعيشة على كاهل الأسر.
التجاذبات السياسية والدور الدولي
بينما تغرق الشوارع في غضبها، تكتفي القوى الأمنية بالدعوة إلى الحكمة وتجنب الفوضى. وفي خضم هذا المشهد المتأزم، يبرز البعد الدولي من خلال تصريحات "مسعد بولس"، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي أجرى محادثات مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، مؤكداً على ضرورة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
إن التنسيق بين القوات الليبية والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) يظل ملفاً شائكاً، يبحث عن استقرارٍ مفقود وسط صراعات النفوذ والانقسام السياسي الذي يغذي أزمة الكهرباء ويزيد من تعقيد حلولها.
خاتمة: الضياء الذي ننشده
إن أزمة الكهرباء في طرابلس ليست مجرد عطل في المولدات أو نقص في الوقود، بل هي مرآة تعكس انكسار الوفاق السياسي وغياب الرؤية الوطنية الجامعة. إن الشعوب التي تخرج اليوم للمطالبة بحقها في الضياء، إنما تبحث عن نور العدالة والشفافية قبل نور المصابيح. فهل تستدرك السلطات هذه الصرخة قبل أن يبتلع الظلام ما تبقى من خيوط الاستقرار؟ إن فجر طرابلس لا يحتاج إلى شموسٍ جديدة، بل يحتاج إلى ضمائر حية تعيد للناس حقهم في حياة كريمة.



اترك تعليقاً