زلزال في الوجدان الأمريكي: هل انفرط عقد التحالف؟
هل تخيل أحد يوماً أن يرى نصف الشعب الأمريكي يطالب باعتقال رئيس وزراء الدولة التي وُصفت لعقود بأنها "الحليف المدلل"؟ هذا ما كشفه استطلاع مجلة الإيكونوميست مؤخراً، في مؤشر صادم يعكس عمق التغير في المواقف الشعبية. إننا نشهد اليوم تحولاً إستراتيجياً كبيراً، حيث لم يعد اسم بنيامين نتنياهو مرادفاً للاستقرار، بل أصبح عنواناً لشرخ عميق يهدد بنسف جسور الثقة بين واشنطن وتل أبيب.
من الدعم الشامل إلى الانحياز الحزبي
لقد أخطأ بنيامين نتنياهو حين ظن أن السياسة الأمريكية ثابتة لا تتغير، فحول التحالف من دعم ثنائي الحزب (Bipartisan) يجمع الديمقراطيين والجمهوريين، إلى رهان ضيق على الحزب الجمهوري وحده. هذا الانكفاء السياسي بدأ يتبلور منذ خطابه الشهير في الكونغرس عام 2015 ضد الاتفاق النووي الإيراني، وتعاظم مع تأثيره المباشر على انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018، وصولاً إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في فبراير 2026.
ويمكن تلخيص أبرز المحطات التي أدت إلى هذا التصدع في النقاط التالية:
- القطيعة الديمقراطية: خسارة القاعدة الشبابية في الحزب الديمقراطي التي باتت تنظر لإسرائيل بعين الناقد.
- الصدام مع الإدارة: استمرار العمليات العسكرية في لبنان رغم تحفظات واشنطن ومخاوفها على مسار المفاوضات.
- التدخل في الشأن الداخلي: إنفاق 50 مليون دولار للتأثير على الرأي العام الأمريكي، وهو ما انتقده نائب الرئيس "جيه دي فانس" بحدة.
المارد الشعبي والتحولات الجيلية
لم يعد الخلاف حبيس الغرف المغلقة في البيت الأبيض، بل انتقل إلى الشارع الأمريكي الذي استيقظ فيه "مارد شعبي" لا يمكن إعادته إلى القمقم بسهولة. إن ما رأته العيون في غزة من مشاهد قاسية أحدث جرحاً في الوعي الجمعي للناخبين الشباب، مما وضع ضغوطاً هائلة على الممثلين الديمقراطيين خشية فقدان مقاعدهم في الكونغرس.
يقول الخبراء إن إسرائيل تتحول تدريجياً في نظر الغرب إلى دولة دينية متطرفة، وهو ما ينفر حتى "اليهود الإصلاحيين" في أمريكا، ويضعف ركائز الدعم التقليدي التي استندت إليها لعقود.
حدود القوة ورهانات المستقبل
حتى في الجانب الجمهوري، لم تعد الشيكات تُوقع على بياض. فرغم التقارب الظاهري، يضع دونالد ترمب حدوداً واضحة، مرسلاً رسالة مفادها أنه هو "الرئيس" واللاعب الأساسي الذي يحدد نقاط التوتر ومسارات التهدئة، سواء في لبنان أو غزة. هذا القلق الإسرائيلي المتصاعد نابع من حقيقتين:
- فقدان الاستقلالية: شعور النخبة الإسرائيلية بأن دولتهم باتت تابعاً للإدارة الأمريكية وليست شريكاً مكافئاً.
- العزلة الدولية: تزايد الملاحقات القانونية الدولية التي طالت رأس الهرم السياسي.
خاتمة: نحو أفق مسدود
إن السياسة التي انتهجها بنيامين نتنياهو وضعت مصالح إسرائيل في أيدي نخبة يمينية ضيقة، مهملةً التوازنات الحيوية التي قامت عليها الدولة العبرية. ويبدو أن التصدع في العلاقات ليس سحابة صيف عابرة، بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة تتساءل فيها أمريكا بجدية: "من هي إسرائيل التي نريد دعمها؟". إن المارد الشعبي قد خرج، وما كُسر في جدار الثقة قد يحتاج إلى أجيال لترميم، إن كان للترميم سبيل.



اترك تعليقاً