عبور الزمن: هل ماتت المقامة العربية؟
هل توارى فن المقامة العربية خلف ستائر الحداثة، أم أنه انصهر في بوتقة السرد المعاصر ليعيد تشكيل هويتنا الأدبية؟ إن المقامة العربية لم تكن يوماً قالباً جامداً، بل كائناً حياً يتنفس برئة العصور؛ فمنذ مقامات شمس الدين القواس الحلبي في القرن العاشر الهجري، وصولاً إلى فضاءات الصحافة الرقمية، ظلت المقامة تقاوم الاندثار، متخذةً من "رياض الأزهار ونسيم الأسحار" متنفساً لها بـ 9 مقامات فريدة.
في القرن الثامن عشر، أطل علينا أبو الفيض البربير، الذي أحدث شرخاً واعياً في جدار التقليد؛ فاستبدل "حكى" بـ "حدثنا"، مقرباً المقامة من عالم "المنامات" والحكايا التي تسبق النوم، ومبتعداً بها عن غرض "الكدية" التقليدي إلى موضوعات عصرية تحاكي النثر الفني في زمنه.
ناصيف اليازجي: إحياء الفصحى في "مجمع البحرين"
مع بزوغ القرن التاسع عشر، برز الشيخ ناصيف اليازجي، سليل أسرة "اليازجيين" (والتي تعني الكتاب بالتركية)، ليضع 60 مقامة في كتابه "مجمع البحرين". لم يكن اليازجي مجرد أديب، بل كان حارساً للغة في زمن الركاكة، حيث استلهم من القرآن الكريم -الذي كان يحفظه بتمامه- فصاحة بيانه، وهو نهج سار عليه أدباء كبار من غير المسلمين مثل مي زيادة وموسى صبري، الذين وجدوا في التنزيل العزيز منبعاً للبلاغة.
إحصائيات وأرقام في مسيرة المقامة
تفاوتت غزارة الإنتاج بين رواد هذا الفن، مما يعكس الرغبة في التفوق الأدبي:
- شمس الدين القواس: 9 مقامات.
- ابن الصيقل الجزري: 50 مقامة (نظمها في 12 دورة فعلية).
- بديع الزمان الهمذاني: 53 مقامة.
- الحريري: 50 مقامة.
- ناصيف اليازجي: 60 مقامة (رغبة في حيازة القدح المعلّى).
- محمد المويلحي: 40 مقامة.
تميز اليازجي بإضافة شخصيات ثانوية مثل "ليلى بنت ميمون" و"رجب الغلام"، مما جعل مقاماته تقترب من عوالم "الشطار" في ألف ليلة وليلة، رغم اعترافه المتواضع بعجزه عن مجاراة الفحول الأوائل.
التمرد الساخر: من الشدياق إلى عبد الله فكري
لم تقف المقامة عند حدود المحاكاة، بل دخلت طور النقد الساخر مع أحمد فارس الشدياق في كتابه "الساق على الساق". لقد نحت الشدياق اسم بطله "الفارياق"، واختار لفظة "حدّس" (بالسين) تهكماً على الرواة التقليديين، ممهداً الطريق لمزج المقامة بالمقالة الصحفية.
أما عبد الله فكري، الملقب بـ "ابن سهل" لسهولة فنه، فقد صاغ ثلاث مقامات هي (حسن الوفاء، العمال والبطال، الفكرية)، حيث تميز بأسلوب يجمع بين السجع غير المتكلف وبين الحبكة التي تقترب من القصة القصيرة، وهو ما دفع معاصريه للشهادة له بالتفوق حتى على الحريري في الإنشاءات الديوانية.
المويلحي وبيرم التونسي: المقامة في ثوب الحداثة
حين نصل إلى محمد المويلحي في مطلع القرن العشرين، نجد أن "حديث عيسى بن هشام" قد أحدث ثورة حقيقية. لقد استعار المويلحي إطار المقامة القديم ليحشوه بمضامين عصرية ناقدة، مستعرضاً تحولات المجتمع المصري في 40 مقامة شملت نقد المحاكم والشرطة والحياة في باريس. المويلحي هو الجسر الحقيقي الذي عبر عليه الأدب العربي من "المقامة" إلى "الرواية".
وفي لمحة فكاهية، نقل بيرم التونسي "هرم الزجل" المقامة إلى العامية المصرية، موظفاً إياها لنقد الرياء الاجتماعي والسياسي، ومستخدماً رواة بأسماء توحي بمضمونهم مثل "العاجز بن عميان"، مما جعل المقامة فناً شعبياً يصل إلى جيل "زد" عبر الوسائط الحديثة.
الخاتمة: المقامة كجذر للسرد العربي
إن فن المقامة العربية، برغم ما يؤخذ عليه من ضعف الحبكة أحياناً، يظل العتبة الأولى والأساسية التي استندت إليها القصة القصيرة والرواية العربية الحديثة. هي رحلة من الزخرف اللفظي إلى العمق الإنساني، ومن التكلف إلى الواقعية. المقامة لم تمت، بل تطورت لتصبح "الأسلوب العلمي" الذي نشد يحيى حقي دِقّته، والخبر النامي الذي رصده النقاد، لتظل لغة الضاد قادرة على استيلاد الجديد من رحم التراث.



اترك تعليقاً