الاستهلال: حين يغدو البلاء متجراً
إن الكوارث في ميزان الابتلاء والقدر سننٌ كونية تُستنفر لها الهمم لإغاثة الملهوف ورفع الضر، غير أن الناظر في أحوال العصر يلحظ تحولاً خطيراً في طبيعة الاستجابة الإنسانية؛ إذ لم تعد الأزمات مجرد طوارئ تُزال آثارها، بل أضحت بيئة خصبة لنشوء ما يُعرف بـ «رأسمالية الكوارث». هذا المفهوم الذي يتجاوز حدود الربح العابر ليؤسس لبنية اقتصادية وسياسية تقتات على أنين المستضعفين، وهو ما يتنافى مع المقاصد الشرعية التي أوجبت العدل وحرمت استغلال الحاجة، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
في كتابه الفذ «رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحاً طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية»، يأخذنا الكاتب أنتوني لوينشتاين في رحلة استقصائية عميقة، كاشفاً عن تحول الحاجات الإنسانية إلى أسواق، وانتقال السيادة من الدولة والمجتمع إلى فاعلين عابرين للحدود يمتلكون المال والنفوذ.
حين تفتح الحرب أبواب السوق: النموذج الأفغاني
تتجلى أبشع صور استثمار الأزمات في الحروب؛ حيث تتسع الحاجات الأمنية واللوجستية بما يفوق قدرة المؤسسات المحلية، وهنا تبرز الشركات الأمنية والمقاولون كبدلاء عن الوظائف التقليدية للجيوش.
- خصخصة الحرب: في أفغانستان، تحول الصراع المستدام إلى طلب واسع على خدمات النقل والإمداد والاستخبارات.
- تآكل السيادة: انتقلت المهام السيادية إلى شركات مثل «بلاك ووتر» و«داينكورب»، مما جعل استمرار الحرب مصلحة اقتصادية لهذه الكيانات.
- إعادة إنتاج التبعية: حتى في مرحلة «إعادة الإعمار»، تدفقت المليارات عبر وكالات دولية واستشاريين أجانب، مما حرم المؤسسات المحلية من بناء قدراتها الذاتية، وأبقاها في حالة ارتهان دائم للخبرة الخارجية.
إن هذا الاستغلال الممنهج يذكرنا بالنهي النبوي عن الغبن والظلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله»، بينما تقوم هذه المنظومة على خذلان المجتمعات المنكوبة لتعظيم الأرباح.
تسليع الهشاشة: من اليونان إلى هايتي
لا يقتصر منطق رأسمالية الكوارث على فوهات المدافع، بل يمتد ليشمل الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، حيث يتم استغلال «حالة الضرورة» لتمرير سياسات الخصخصة القسرية.
أولاً: الأزمات المالية كأداة ضغط
في اليونان، أدت أزمة الديون إلى تقليص الإنفاق العام وبيع الأصول الوطنية، وتحولت أزمة الهجرة إلى «سوق» لعقود الحراسة والاحتجاز. هنا تصبح الأزمة فرصة لإعادة رسم الحدود بين العام والخاص بما يخدم رأس المال.
ثانياً: إعادة الإعمار وتغييب المجتمع
في هايتي، عقب زلزال 2010، تدفقت المساعدات عبر قنوات خارجية أدارت العقود وحددت الأولويات بمعزل عن إرادة المجتمع المحلي. لقد تحول الفقر من معضلة تتطلب الحل إلى «ميزة تنافسية» لجذب الاستثمارات القائمة على العمالة منخفضة الأجر.
استدامة المشكلة لضمان العائد: السجون والاحتجاز
يصل التوحش الرأسمالي ذروته حين يصبح «الإنسان» بحد ذاته وحدة إدارية قابلة للحساب. في السجون الخاصة بالولايات المتحدة ومراكز احتجاز المهاجرين في أستراليا، ترتبط أرباح الشركات بمعدلات الإشغال؛ أي أن «السرير الفارغ» يمثل خسارة مالية.
إن هذا الترتيب يخلق تضارباً صارخاً في المصالح؛ فبينما يفترض أن تهدف السياسات الجنائية إلى تقليل الجريمة، تهدف الشركات إلى استدامتها لضمان تدفق العوائد. وهذا عين ما حذر منه الإسلام في تحريم أكل أموال الناس بالباطل، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.
الدروس المستفادة والوقفات الفكرية
يمكن تلخيص جوهر الأطروحة في نقاط محورية تعيد تعريف علاقتنا بالأزمات:
- مأسسة الاستثناء: تتحول التدابير المؤقتة أثناء الكوارث إلى ترتيبات مستقرة يصعب تفكيكها بسبب تراكم المصالح حولها.
- توزيع المسؤولية: يؤدي التعاقد مع الشركات إلى فصل القرار السياسي عن التنفيذ، مما يجعل محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أمراً عسيراً.
- تزييف الحلول: قد يكون النشاط الاقتصادي (مثل التعدين في بابوا غينيا الجديدة) سبباً في نشوء الكارثة، ثم يقدم نفسه لاحقاً كحل وحيد لإعادة الإعمار.
الخاتمة: نحو اقتصاد قيمي عادل
إن كتاب «رأسمالية الكوارث» ليس مجرد رصد اقتصادي، بل هو صرخة في وجه عالم استمرأ المتاجرة بالآلام. وإذا كان لوينشتاين قد نجح في تشخيص الداء، فإن الشريعة الغراء تقدم الدواء من خلال إرساء قواعد العدل، وتحريم الاحتكار، وإيجاب إغاثة الملهوف كواجب ديني وأخلاقي لا يخضع لمنطق الربح والخسارة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع البلاء عن المستضعفين، وأن يقينا شح أنفسنا وتغول المادة على الروح، وأن يجعل عمارة الأرض سبيلاً لمرضاته لا معولاً للهدم والفساد. والحمد لله رب العالمين.



اترك تعليقاً