ميراث العلماء في تكوين الإنسان: منارات الهدى ومنهج التزكية وبناء العقول

ميراث العلماء في تكوين الإنسان: منارات الهدى ومنهج التزكية وبناء العقول

في رحاب الفكر الإسلامي الرصين، يبرز مفهوم «ميراث العلماء» كحبل متصل بمشكاة النبوة، لا يقتصر أثره على رصف الحروف في بطون الأوراق، بل يتجاوز ذلك ليكون شريان الحياة الذي يغذي وجدان الأمة ويحفظ هويتها. وفي هذا السياق، قدم فضيلة الشيخ الدكتور سعيد الكملي، العالم والمفكر المغربي، مرافعة علمية أدبية باذخة في «منتدى قطاف القرآني» بدولة قطر، أكد فيها أن الحديث عن ميراث العلماء هو في جوهره حديث عن أسمى أسباب بقاء الهدى واستمرار النور في جسد الأمة، لاسيما في عصرنا الذي طغت فيه المعلومات المجردة على البصائر المهتدية.

جوهر الميراث: من الكتب إلى بناء الإنسان

حرر الدكتور الكملي في مستهل حديثه المفهوم الشرعي الدقيق لهذا الميراث، مبيناً أنه ليس رتبة تشريفية ولا عصمة ذاتية، بل هو اضطلاع بأمانة النبوة في التعليم والتزكية. واستند فضيلته في ذلك إلى الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً ولا دِرْهَماً، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ».

وأوضح أن هذا الميراث ينهض على ركائز ثلاث استنبطها من الوحي الحكيم، وهي التي حددت وظيفة المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

  • تلاوة الآيات: وهي أمانة تبليغ الوحي وصون نصوصه.
  • التعليم: وهو فقه الوحي وبيان معانيه ومقاصده.
  • التزكية: وهي الغاية الأسمى التي تحمل النفس على العمل بمقتضى العلم.

العلم النافع وثلمة غياب العلماء

لفت الشيخ الكملي الأنظار إلى دقة التعبير النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؛ حيث علق الأجر بالمنفعة المتحققة، وهي عين التزكية التي تثمر عملاً وصلاحاً.

وحذر فضيلته من عظم المصاب عند فقد العلماء، مستشهداً بما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

وعضد ذلك بما أثر عن ابن عباس ومجاهد في تأويل قوله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، حيث نصوا على أن نقصانها هو بموت فقهائها وخيار أهلها.

موازين العقل المسلم في مدرسة العلماء

استعرض الدكتور الكملي كيف صاغ العلماء من نصوص القرآن ميزاناً عقلياً صارماً يحمي الفكر من الزلل، وحدد أربعة أصول كلية:

  1. الكف عن القول بغير علم: امتثالاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
  2. النزوع إلى البرهان: تأسيساً على المبدأ القرآني: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالعقل المسلم برهاني لا تخدعه زخارف الأقوال.
  3. الحذر من الهوى والظن: كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾. وضرب مثلاً بفساد نظر الخوارج الذين استباحوا الدماء بجهلهم.
  4. التثبت والرجوع لأهل الاختصاص: إعمالاً لقوله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

التزكية: ثمرة العلم الكبرى

أكد الشيخ أن العلم الذي لا يثمر خشية هو وبال على صاحبه، مستحضراً الوعيد الإلهي: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾، والوعيد النبوي لمن يُلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه. وشدد على أن العلماء الربانيين هم من يربون الناس بحالهم قبل مقالهم، كما كانت أم الإمام مالك توصيه: «اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه».

تحديات العصر والذكاء الاصطناعي

وفي ختام ندوته، تطرق الكملي إلى طفرة الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن هذه البرمجيات الصامتة لا تصنع بصيرة ولا تملك خشية، بل هي مخازن تسترجع المعلومات بلا ميزان نقدي. ودعا حملة الشريعة إلى ملء الفضاءات الرقمية بالعلوم المحررة لقطع الطريق على الجهال، مؤكداً أن العلم الشرعي نور يقذفه الله في القلوب، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.

إن ميراث العلماء هو الأمانة التي تحفظ كيان الإنسان وتصون عقله وتزكي روحه، ولا غنى للأمة في مسيرتها عن العالم الرباني القدوة الذي تتجسد فيه معالم النبوة وهديها المبارك، ليبقى العلم حياً نابضاً في القلوب قبل أن يكون سطوراً في الكتب. اللهم فقهنا في ديننا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *