غزة بين صخب المدافع وأنين الحصار: قراءة في فصول الإبادة المتجددة تحت عباءة “الهدنة”

بحلول العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر لعام 2025، تنفس العالم الصعداء مع الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهو الاتفاق الذي جاء ثمرة جهود ديبلوماسية مكثفة برعاية أمريكية ووساطات إقليمية فاعلة ضمت مصر وقطر وتركيا. كان الهدف المعلن هو وضع حد لآلة القتل العسكرية الصهيونية التي استعرت نيرانها لأشهر طويلة، مخلفةً دماراً لم يسبق له مثيل. ومع انطلاق المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي تركزت حول ملف تبادل الأسرى واستمرت لأكثر من شهرين، تسرب إلى الوعي الجمعي، محلياً ودولياً، انطباعٌ يوحي بأن غزة قد طوت صفحة الحرب، وأنها ولجت فعلياً مرحلة “ما بعد العدوان”. تعزز هذا التصور مع انتشار صور ومقاطع فيديو توثق محاولات خجولة لاستعادة مظاهر الحياة، وترميمات طفيفة لبعض المنشآت الصحية والتعليمية التي لم تطلها آلة الهدم الكلي.

خداع المشهد: تبدل الوتيرة وثبات المظلمة

بيد أن القراءة المتأنية للواقع على الأرض تكشف بوضوح أن هذا الانطباع ليس سوى سراب خادع، صُمم بعناية لإخفاء حقيقة مروعة. إن الحرب، وإن توقفت في أشكالها الصاخبة وانفجاراتها المدوية، إلا أن جوهرها المتمثل في “الإبادة الجماعية” لم يتوقف للحظة واحدة. ما شهدته غزة لم يكن انتقالاً حقيقياً من حالة الصراع إلى فضاء السلام، بل كان انتقالاً تكتيكياً من “القتل السريع” بآلة الحرب، إلى “القتل البطيء” بآلات الحصار والجوع والحرمان. هذا النمط الجديد من العدوان يتميز بكونه أقل ضجيجاً وأقل استقطاباً لعدسات الإعلام العالمي، مما يجعله أكثر خطورة وفتكاً، حيث تُذبح غزة في صمت وبعيداً عن صخب التنديد الدولي.

منذ اللحظات الأولى لسريان وقف إطلاق النار المزعوم، لم تتوقف يد الاحتلال الصهيوني عن العبث بأرواح المدنيين؛ فعمليات القتل الميداني، وإصابة المواطنين، والاعتقالات التعسفية ظلت حاضرة في المشهد اليومي. علاوة على ذلك، استغل الاحتلال حالة الهدوء الظاهري لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة استهدفت كوادر نضالية ومجتمعية لم يفلح في الوصول إليها إبان ذروة العمليات العسكرية. وفي موازاة ذلك، استمر إغلاق المعابر وتوثيق قيود الحصار، مع تعميق ممنهج لسياسات التهجير القسري ومنع الإغاثة الإنسانية. إن ما حدث هو “إدارة للإبادة” وليس إنهاءً لها، حيث يسعى الاحتلال من خلال وقف إطلاق النار إلى تخفيف الضغط الدولي الخانق عليه، وممارسة سياسته التدميرية في الظلال، محققاً بذلك أهدافه الاستراتيجية دون دفع أثمان سياسية باهظة.

هذا التوصيف لا ينبع من عاطفة فلسطينية فحسب، بل هو قراءة قانونية وحقوقية أكدتها فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد صرحت بوضوح أن ما يسمى “وقف إطلاق النار” هو مجرد مصطلح أجوف يفتقر إلى الرصيد الواقعي، وأن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية مستمرة بوسائل مستحدثة. وأشارت ألبانيزي إلى غياب أي نية صهيونية حقيقية للتخلي عن القبض العسكرية على القطاع، محذرة من تواطؤ دولي مريب يمنح الغطاء السياسي لهذه الجريمة المتواصلة.

الإبادة الصامتة: تفكيك المفهوم وتجلياته القانونية

تنطلق القراءة الموضوعية للواقع الراهن من فرضية ثابتة: الإبادة في غزة فعل مستمر لا يقطعه سكون المدافع. وإذا ما أسقطنا الوقائع الجارية في القطاع على نصوص “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948″، سنجد تطابقاً مخيفاً مع الأركان المادية لهذه الجريمة. فالقانون الدولي يعرف الإبادة ليس فقط بالقتل المباشر، بل بجملة من الأفعال تشمل:

  • قتل أفراد من الجماعة المستهدفة بدم بارد.
  • إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأعضاء الجماعة، وهو ما يتحقق عبر الاعتقالات والتعذيب والترهيب.
  • إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها الفعلي تدميراً كلياً أو جزئياً.

إن هذا الركن الثالث هو ما يطبقه الاحتلال بحذافيره في غزة اليوم؛ فالحصار المطبق، ومنع دخول أبسط مقومات الحياة كالغذاء والدواء والوقود، وعرقلة جهود إعادة الإعمار، كلها تندرج تحت مسمى “الفرض المتعمد لظروف معيشية قاتلة”. يضاف إلى ذلك سياسة “هندسة الجغرافيا” من خلال التهجير القسري وتدمير البنى التحتية المدنية بشكل يجعل الحياة مستحيلة. كل هذه الممارسات، مقرونة بتصريحات قادة الاحتلال الذين يلوحون باستمرار باستئناف الحرب وتوسيع رقعة السيطرة، تؤكد أن النية الجرمية للإبادة لا تزال قائمة ومستعرة.

خروقات ميدانية واحتلال مقنّع خلف “الخط الأصفر”

رغم الإعلان الرسمي عن وقف العمليات، إلا أن جيش الاحتلال استمر في تنفيذ نشاطات عسكرية عدوانية في مناطق يُفترض أنها “آمنة”. تتركز هذه العمليات بشكل خاص شرق ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، وهو حزام جغرافي يقتطع ما يقارب 60% من مساحة قطاع غزة الإجمالية. في هذه المناطق، تجري عمليات هدم منظمة للمنازل، وتجريف واسع للأراضي الزراعية، وبناء تحصينات ومواقع عسكرية جديدة، مما يشير بوضوح إلى نية الاحتلال ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد وتحويل غزة إلى سجن عسكري كبير مقسم إلى كانتونات معزولة.

وخلال الشهرين الأولين من الهدنة المزعومة، رُصدت مئات الخروقات الصارخة التي تنوعت بين إطلاق النار المباشر على المزارعين والصيادين، والتوغلات العسكرية المحدودة، والاستهدافات الجوية والبرية التي خلفت مئات الشهداء والجرحى. والمفارقة المؤلمة أن هذه الجرائم تُرتكب في ظل صمت دولي مطبق، وكأن العالم قد أقنع نفسه بأن الصراع قد انتهى لمجرد توقف القصف الجوي الكثيف، غاضاً الطرف عن “نزيف الهدنة” الذي يحصد الأرواح يومياً دون حساب أو مساءلة.

المنظومة الصحية وسلاح التجويع: أدوات القتل الناعم

على الصعيد الإنساني، لم يشهد القطاع الصحي أي تحسن يُذكر؛ بل يمكن القول إن حالة الانهيار قد تعمقت. تعاني المستشفيات والمراكز الصحية من عجز غير مسبوق في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، في حين يواصل الاحتلال منع آلاف الجرحى والمرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج. هذا الحظر الطبي أدى إلى تسجيل حالات وفاة عديدة كان من الممكن تفاديها، فضلاً عن تفشي الأمراض المعدية والأوبئة نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي وتكدس النازحين في بيئات غير صحية، مما يجعل من “المرض” أداة إبادة فعالة في يد الاحتلال.

أما “سلاح التجويع”، فقد ظل العمود الفقري لسياسة الإبادة المستمرة. لم يُرفع الحصار، ولم تُفتح المعابر بالقدر الذي يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان؛ بل بقيت المساعدات تدخل بقطارة المحتل وبكميات شحيحة وغير منتظمة. ونتيجة لذلك، يرزح مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت وطأة مجاعة حقيقية، حيث تُسجل يومياً حالات سوء تغذية حاد، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.

والأدهى من ذلك هو “التحكم النوعي” في الغذاء؛ حيث يسمح الاحتلال بدخول مواد غذائية منخفضة القيمة الغذائية أو تلك التي شارفت صلاحيتها على الانتهاء، بينما يمنع دخول اللحوم والفواكه والمواد ذات القيمة الغذائية العالية. هذا التحكم يهدف إلى إضعاف البنية الجسدية للمجتمع الغزي على المدى الطويل، في ظل ارتفاع جنوني في الأسعار واحتكار ناتج عن الشح، مما رفع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات فلكية لم يشهدها التاريخ الحديث.

هندسة التهجير وقتل الأمل في العودة

إن ما يمارسه الاحتلال حالياً يمكن تسميته بـ “هندسة التهجير”؛ فالعائلات النازحة التي حاولت العودة إلى أنقاض بيوتها واجهت رصاص الاحتلال وتحركات آلياته التي تعمد إلى تغيير حدود المناطق المحظورة باستمرار. هذا الأسلوب يبقي السكان في حالة من عدم الاستقرار الدائم والنزوح المتكرر، حيث سجلت الأمم المتحدة عشرات الآلاف من حالات النزوح القسري بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي ظل هذا التشريد، يبرز التعطيل المتعمد لإدخال مواد البناء تحت ذريعة “الاستخدام المزدوج”، وهو مصطلح فضفاض يستخدمه الاحتلال لمنع إدخال حتى المواد المدنية البحتة. إن الهدف من وراء ذلك هو إبقاء غزة “مكاناً غير قابل للحياة”، ودفع سكانها نحو اليأس والقنوط، وإجبارهم في نهاية المطاف على البحث عن خيار الهجرة الطوعية القسرية. وهكذا، نجد أن وقف إطلاق النار لم يغير واقع الدمار، بل أعاد صياغته ليكون قدراً يومياً يعيشه الغزيون بعيداً عن صخب المدافع.

الخاتمة: مسؤولية الكلمة وواجب النصرة

إن ما يمر به قطاع غزة اليوم هو مرحلة دقيقة تتطلب يقظة الضمير الإنساني والوعي الإسلامي. فلا يمكن بحال من الأحوال تسمية هذه المرحلة بـ “ما بعد الحرب”، بل هي “إبادة بأساليب أخرى”. لقد تحولت الجريمة من مشهد دموي عابر تتصدر فيه الانفجارات نشرات الأخبار، إلى سياسة يومية هادئة تمارس القتل بالتجويع، والتهجير بالترهيب، والموت بالحرمان الطبي.

إن الواجب الشرعي والأخلاقي يحتم علينا كشف هذا الخداع، والتأكيد على أن غزة لا تزال تحت مقصلة الإبادة. إن وقف إطلاق النار الذي لا يفتح المعابر، ولا ينهي الحصار، ولا يسمح بإعادة الإعمار، ولا يحمي الأرواح من القتل والملاحقة، هو ليس هدنة بل هو غطاء للجريمة. ستبقى غزة شاهدة على عجز العالم وتواطئه، ما لم تتحرك الضمائر الحية للضغط من أجل إنهاء حقيقي وشامل لهذه المأساة، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة على أرضه، بعيداً عن شبح الإبادة الذي يتلون بكل لون ليبقى جاثماً على صدور الأبرياء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *