اعلمْ، أرشدكَ الله، أنَّ تدبيرَ الممالكِ كالبحرِ في تلاطمِ أمواجِهِ، لا يستقرُّ على حالٍ، ولا يقرُّ لهُ قرارٌ. فبينما كانتِ الأبصارُ شاخصةً نحو السماءِ، ترقبُ نُذرَ الوعيدِ وشررَ الوعيدِ، إذا بإيرانَ تفتحُ أبوابَ هوائِها بعدَ رتاجٍ أُغلقَ لِخمسِ ساعاتٍ، فارتدَّتِ الطائراتُ إلى مساراتِها بعدَ أنْ حارَ بها الدليلُ، وتاهتْ في لُججِ الترقّبِ خشيةَ صدامٍ بينَ طهرانَ وواشنطنَ، وهو أمرٌ جعلَ شركاتِ الطيرانِ تضطربُ في تدبيرِها، فمنْ قائلٍ بالتأجيلِ، ومنْ مُؤثِرٍ للتبديلِ.
ولقدْ كانَ لإدارةِ الطيرانِ الفيدراليةِ الأمريكيةِ في ذلكَ شأنٌ، إذْ نبهتْ إلى أنَّ الأجواءَ قدْ حُجبتْ عنِ السابلةِ، ولمْ يُؤذنْ إلا لمنْ حازَ صكَّ القبولِ الرسميِّ، في وقتٍ كانَ فيهِ ميزانُ القوى يترجحُ بينَ السِّلمِ والمنيةِ. غيرَ أنَّ موقع “فلايت رادار 24” رصدَ انقشاعَ تلكَ الغُمامةِ قبلَ سحرِ يومِ الخميسِ، لتعودَ أجنحةُ “ماهان آير” وأخواتِها تخترقُ الآفاقَ، وكأنَّ القومَ قدْ آثروا السلامةَ بعدَ مراجعةِ الحسابِ.
بينَ لسانِ ترامبَ وسِياطِ الواقعِ
وفي هذهِ الأثناءِ، كانَ “دونالد ترامب” في بيتِهِ الأبيضِ يُقلّبُ وجوهَ الرأيِ، ويوازنُ بينَ شدةِ العقابِ ولينِ الخطابِ، لا سيما وإيرانُ تموجُ باحتجاجاتٍ هيَ الأشدُّ وطأةً منذُ سنينَ. ولقدْ نطقَ الرجلُ بقولٍ غريبٍ، إذْ زعمَ أنَّ “عملياتِ القتلِ قدْ توقفتْ”، وأنَّ حبالَ المشانقِ قدْ أرخيتْ، مستنداً في ذلكَ إلى “مصدرِ ثقةٍ” لمْ يُسمِّهِ، وكأنَّ الفتنةَ قدْ خمدتْ نارُها وانطفأَ جمارُها.
بيدَ أنَّ التقاريرَ القادمةَ منْ وراءِ الحُجبِ الحقوقيةِ ترسمُ صورةً مغايرةً، فثمةَ منْ يتحدثُ عنْ قتلى تجاوزوا الألفينِ، ومنهمْ منْ يرفعُ العددَ إلى أكثرَ منْ ثلاثةِ آلافٍ. وفي هذا التباينِ ما فيهِ منْ دلالةٍ على أنَّ الحقيقةَ في وقتِ الأزماتِ تكونُ أولَ الضحايا، وأنَّ بينَ ما ينطقُ بهِ الساسةُ وما تفعلهُ القواتُ في الشوارعِ بوناً شاسعاً لا يدركهُ إلا منْ كابدَ المحنةَ.
دبلوماسيةُ عراقجي وبراعةُ المناورةِ
ومنْ جهةٍ أخرى، برزَ “عباس عراقجي” بلسانٍ ذلقٍ، يُطمئنُ الداخلَ ويُراوغُ الخارجَ، مؤكداً أنَّ زمامَ الأمورِ في يدِ الدولةِ، وأنَّ السكينةَ قدْ عادتْ إلى الربوعِ بعدَ أيامٍ وصفها بأنها “عُنفٌ دبرتهُ إسرائيلُ”. وفي قولهِ تأجيلٌ لا إلغاءٌ لِأحكامِ الإعدامِ، حيثُ قالَ: “لا اليومَ ولا غداً”، وهيَ عبارةٌ تحتملُ التأويلَ وتفتحُ بابَ الريبِ، خصوصاً وأنَّ القضاءَ الإيرانيَّ يتوعدُ بمحاكماتٍ “سريعةٍ وعلنيةٍ” لِمنْ وصفهم بمثيري الشغبِ.
- تزايدُ المخاوفِ على حياةِ المعتقلينَ، وفي مقدمتِهم الشابُ “عرفان سلطاني” ذو الستةِ وعشرينَ ربيعاً.
- دعواتٌ منْ “شيرين عبادي” لِشلِّ أذرعِ النظامِ الإعلاميةِ والضغطِ على قياداتِ الحرسِ الثوريِّ.
- تضاربُ الأنباءِ حولَ الحصيلةِ الحقيقيةِ للضحايا بينَ الروايةِ الرسميةِ وتقاريرِ المنظماتِ الدوليةِ.
العالمُ يرقبُ والشرقُ يشتعلُ
وعلى سياقٍ متصلٍ، بدا أنَّ الدولَ الأوروبيةَ قدْ استشعرتْ خَطراً داهماً، فبادرتْ بريطانيا إلى إغلاقِ سفارتِها في طهرانَ مؤقتاً، ولحقتْ بها إيطاليا بدعوةِ مواطنيها للرحيلِ فوراً، وكأنَّ القومَ يشمونَ ريحَ بارودٍ لا تُخخطئها الأنوفُ. أما “لوفتهانزا” الألمانيةُ، فقدْ آثرتْ النأيَ بجناحيها عنْ أجواءِ إيرانَ والعراقِ، في حينِ بقيتْ بغدادُ تؤكدُ أنَّ سماءَها مأمونةٌ ومفتوحةٌ لكلِّ طارقٍ.
وفي ظلِّ هذا الاضطرابِ، خرجَ المسؤولونَ في طهرانَ بتهديدٍ صريحٍ لدولِ الجوارِ، مفادُهُ أنَّ أيَّ هجومٍ أمريكيٍّ يُنطلقُ منْ أراضيهم سيُقابلُ بضربِ القواعدِ الأمريكيةِ في تلكَ البلادِ. وقدْ وصلتِ الرسالةُ إلى الرياضِ وأبو ظبي وأنقرةَ، فما كانَ منْ السعوديةِ إلا أنْ قطعتِ الشكَّ باليقينِ، وأبلغتْ طهرانَ أنها لنْ تكونَ طرفاً في أيِّ عملٍ عسكريٍّ، ولنْ تسمحَ باستخدامِ فضائِها لِضربِ جارتِها.
خاتمةٌ: هل انجلتِ الغُمةُ؟
إنَّ الناظرَ في هذهِ التقلباتِ يدركُ أنَّ إعادةَ فتحِ المجالِ الجويِّ ليستْ إلا فاصلاً بينَ فصلينِ منْ فصولِ الصراعِ. فبينما يتحدثُ ترامب عنْ وقفِ القتلِ، تستعدُّ المشانقُ في طهرانَ لِتأديةِ دَورِها، وتتحفزُ القواعدُ العسكريةُ في قطرَ والمنطقةِ لِكلِّ طارئٍ. فهلْ نحنُ أمامَ تهدئةٍ حقيقيةٍ تقتضيها ضرورةُ البقاءِ، أمْ أنَّ القوى الكبرى إنما تعيدُ ترتيبَ أوراقِها لِجولةٍ هيَ أشدُّ وأعتى؟ وما هوَ حالُ ذلكَ المعتقلِ البسيطِ الذي ينتظرُ مصيرَهُ في غياهبِ السجونِ بينما تتقاذفُ الأقدارَ تصريحاتُ الكبارِ؟
مصدر المعلومات: BBC Arabic


اترك تعليقاً