موسوعة الجامع الأموي الكبير: استعادة الذاكرة البصرية لقلب دمشق النابض
لم يكن إطلاق مشروع "موسوعة الجامع الأموي الكبير" في المكتبة الوطنية بدمشق مجرد احتفاء بإصدار أدبي جديد، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن استعادة "الذاكرة البصرية والمعمارية" لواحد من أهم الرموز الحضارية في العالم. هذا المشروع الضخم، الذي صاغه الباحث والمؤرخ السوري أحمد إيبش، يأتي كضرورة ملحة لتوثيق الهوية السورية وسرد حكاية دمشق من خلال جدران وأعمدة هذا الصرح العظيم.
مختبر أركيولوجي يقرأ 5 آلاف عام من التاريخ
تتجاوز هذه الموسوعة، التي أطلقت برعاية وزارة الثقافة السورية، كونها مجرد رصد تاريخي؛ إذ تتحول إلى "مختبر أركيولوجي" متخصص يغوص في 12 طبقة زمنية تعاقبت على موقع الجامع. تسعى الموسوعة لإعادة بناء المشهد الحضاري لمدينة دمشق منذ عهودها الكنعانية والآرامية، مروراً بالحقبتين الكلاسيكية والمسيحية، وصولاً إلى الذروة المعمارية في العصر الإسلامي الأموي.
هيكلية الموسوعة ومحتوياتها
يتألف المشروع من ثلاثة مؤلفات رئيسية سيصدر الجزء الأول منها قريباً، وتتوزع محتوياتها على النحو التالي:
- دراسة تاريخية شاملة: تتبع بناء الجامع عبر الأدوار والطبقات الأركيولوجية المختلفة.
- تحليل معماري وفني: يضم آراء كبار مؤرخي العمارة ودراسة معمقة للفنون الزخرفية، وخاصة لوحات الفسيفساء الشهيرة.
- ألبوم فوتوغرافي احترافي: يوثق الهوية البصرية للجامع بأعلى التقنيات لتخليد قيمته الجمالية والروحية.
حضور رسمي وتأكيد على الذاكرة الوطنية
شهد حفل الإطلاق حضوراً رفيع المستوى شمل وزراء الثقافة، والأوقاف، والمالية، والصحة، بالإضافة إلى نخبة من الباحثين والمختصين. وأكد وزير الثقافة، محمد ياسين الصالح، أن الموسوعة عمل علمي رصين يندرج ضمن مسار الوزارة لحماية الذاكرة الوطنية عبر توثيق الرموز الحضارية الكبرى.
من جانبه، أشار وزير الأوقاف إلى أن الجامع الأموي يمثل نموذجاً فريداً للتعايش الديني، مستعرضاً مراحل تحوله من معبد وثني إلى مساحة دينية مشتركة، قبل أن يستقر كمسجد جامع في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك.
من "هيكل البعل" إلى "آية العمارة الإسلامية"
أوضح المؤرخ أحمد إيبش في محاضرته أن تاريخ الجامع الأموي هو مرآة لتاريخ دمشق ذاته. وقد لخص الرحلة التاريخية للموقع في نقاط رئيسية:
- العهد الكنعاني: هيكل بسيط لعبادة "البعل".
- العهد الكلداني واليوناني: معبد لعبادة النجوم ثم معبد لـ "زيوس".
- العهد الروماني: معبد "جوبيتر" في القرن الميلادي الأول.
- العهد المسيحي: كاتدرائية مسيحية في القرن الخامس.
- العصر الأموي: التحول إلى الجامع الكبير في القرن الثامن، ليصبح أيقونة الفن المعماري.
القيمة المضافة: التوثيق البصري الدقيق
تتميز الموسوعة بتقديم "إيكونوغرافيا" أركيولوجية غير مسبوقة. وأشار إيبش إلى أن التصوير الفوتوغرافي عالي الدقة المرفق بالموسوعة سيمكن الباحثين من قراءة عبارات محفورة على الجدران لا تُرى بالعين المجردة، حيث شمل التصوير كل "شبر مربع" من الجامع مع مخططات معمارية توضيحية.
عن المؤلف:
الدكتور أحمد إيبش هو باحث ومؤرخ سوري بارز، متخصص في التاريخ الإسلامي والحديث، وله مساهمات واسعة في توثيق التراث الحضاري لبلاد الشام والجزيرة العربية.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً