أزمة السكن في إيران: هل تمد ‘سنتيمترات الأمل’ جسراً فوق بحر التضخم المتلاطم؟

أزمة السكن في إيران: هل تمد ‘سنتيمترات الأمل’ جسراً فوق بحر التضخم المتلاطم؟

حين يغدو الوطن حُلماً يُقاس بالمسطرة

هل يمكن لبيت العمر أن يختزل في مساحة لا تتجاوز عقلة الإصبع؟ في قلب العاصمة الإيرانية، حيث ينهش التضخم قيمة العملة الوطنية كما ينهش الصدأ الحديد، لم يعد السؤال عن عدد الغرف أو اتساع الشرفات، بل أضحى المواطن يتساءل: كم سنتيمتراً أملك اليوم؟ لقد تحولت أزمة السكن في إيران من معضلة اقتصادية إلى مأساة وجودية، دفعت بلدية طهران لابتكار مشروع "خانه ريز" (البيت الصغير)، وهو مشروع يطرح ملكية العقار بالتقسيط المجهري، لتبدأ من سنتيمتر مربع واحد، في محاولة لترميم أحلام الشباب التي فتتها الغلاء.

مشروع "خانه ريز": هندسة البقاء في وجه الغلاء

يقوم المشروع على فلسفة "التراكم المجهري"؛ حيث تتيح بلدية طهران للمواطنين شراء حصص عقارية في برج سكني مكون من 9 طوابق. هذا النموذج يهدف إلى تحويل المدخرات الصغيرة، التي تذوب يومياً بفعل التضخم الجامح، إلى أصول عينية ثابتة. ولتوضيح المشهد بالأرقام، نجد أن لغة الحساب في طهران تتحدث كالتالي:

  • قيمة السنتيمتر المربع الواحد: 21,900,000 ريال إيراني.
  • سعر صرف الدولار التقريبي: 2,332,000 ريال إيراني.
  • عتبة الدخول: يُسمح بشراء 100 حصة (سنتيمتر) في المرحلة الأولى كحد أدنى.
  • سرعة التسييل: تعد البلدية بإعادة الأموال في غضون 72 ساعة في حال رغبة المستثمر في البيع.

إن هذا المشروع يشبه إلى حد بعيد "حصالة الورثة"؛ هو محاولة لجمع شتات المال قبل أن تذروه رياح انخفاض القيمة الشرائية، فالتضخم هنا ليس مجرد مصطلح تقني، بل هو نار صامتة تأكل أطراف الأوراق النقدية حتى لا يبقى منها إلا الرماد.

بين مطرقة الاستثمار وسندان التملك الحقيقي

تتباين الرؤى حول هذا المشروع كما تتباين ألوان الطيف؛ فبينما يراه المتقاعدون، ممن خاضوا تجارب مشابهة، وسيلة ناجعة لحفظ قيمة المال وتجاوز عقبة التضخم، ينظر إليه الشباب بعين الريبة. تقول "ساناز"، الموظفة الشابة، إن الغموض يكتنف هوية المشروع: هل هو استثمار مالي بحت أم طريق معبد نحو امتلاك مفتاح الشقة؟

من الناحية العلمية، يوضح الخبراء أن هذا النموذج هو "أداة تمويلية" بامتياز. هو أقرب إلى أسهم البورصة العقارية منه إلى السكن الفعلي. فالمواطن الذي يشتري أمتاراً قليلة لا يشتري مكاناً يضع فيه أثاثه، بل يشتري "درعاً اقتصادياً" يحمي مدخراته من التآكل.

وجهة النظر المؤيدة: تحصين المدخرات

يرى محمد حسين سيف اللهي، الباحث الاقتصادي، أن الفجوة بين دخل المواطن وسعر الوحدة السكنية أصبحت هوة سحيقة لا يمكن ردمها بالوسائل التقليدية. شراء السكن بالأمتار هو:

  1. تقليل أثر التضخم: تحويل الريال الضعيف إلى أمتار عقارية صلبة.
  2. مرونة التمويل: إمكانية زيادة المساحة تدريجياً حسب القدرة المالية.
  3. الأمان المالي: إمكانية الخروج من المشروع بسعر السوق الحالي.

وجهة النظر الناقدة: هيكلية الأزمة

في المقابل، يرفع الأكاديميون، مثل الدكتور مهيار رمضانخاني، راية التحذير. فالمشكلة في أزمة السكن في إيران لا تكمن فقط في سيولة المشتري، بل في:

  • الارتفاع الجنوني في كلفة الأرض ومواد البناء.
  • تضارب المصالح حين تتحول البلدية من جهة رقابية إلى مستثمر عقاري.
  • النقص الحاد في المعروض السكني الذي يقدر بملايين الوحدات.

خاتمة: هل يورق السنتيمتر بيتاً؟

يبقى مشروع "خانه ريز" شاهداً على عبقرية الحاجة في زمن الضيق، وصورة بليغة لواقع يعيشه المواطن الإيراني بين مدخرات تتبخر وأحلام تتجمد. إن الحلول المجهرية قد تضمد جراح المحفظة المالية مؤقتاً، وتوفر ملاذاً آمناً من عواصف التضخم، لكنها تظل عاجزة عن منح الدفء الذي توفره الجدران الحقيقية. يبقى المواطن في طهران يقتفي أثر السنتيمترات، آملاً أن تجتمع يوماً ما لتشكل سقفاً يقيه غوائل الزمن، في رحلة بحث مضنية عن وطن يسكنه، لا سنتيمترات يسكن إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *