تحركات دبلوماسية مكثفة في منعطف حرج
في خطوة تعكس إصرار الدولة التركية على لعب دور محوري في إنهاء أطول وأعنف فصول الصراع في قطاع غزة، شارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في اجتماع دولي رفيع المستوى عُقد عبر تقنية الاتصال المرئي، لمناقشة الترتيبات المعقدة المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام المقترحة للقطاع. ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي استكمالاً لسلسلة من المباحثات المكثفة التي استضافتها مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية في أواخر ديسمبر الماضي، حيث تسعى الأطراف الدولية الفاعلة إلى كسر الجمود الذي يحيط بالعملية السياسية المتعثرة.
مربع الوساطة: تنسيق رباعي لمواجهة “التسويف”
أكدت مصادر موثوقة في وزارة الخارجية التركية أن الوزير فيدان انخرط في نقاشات معمقة مع مسؤولين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية مصر العربية ودولة قطر. هذا التنسيق الرباعي يهدف بشكل أساسي إلى وضع خارطة طريق دقيقة للمرحلة الثانية من خطة السلام، وهي المرحلة التي تعتبر “حجر الزاوية” في إنهاء العمليات العسكرية بشكل دائم والانتقال نحو الاستقرار السياسي. ويأتي هذا الاجتماع الافتراضي ليؤكد أن زخم “اجتماع ميامي” المغلق، الذي عقد في التاسع عشر من ديسمبر الماضي، لا يزال قائماً رغم التحديات الميدانية والسياسية الهائلة التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على أرض الواقع.
فاتورة الدمار: عامان من الإبادة والاستهداف الممنهج
لا يمكن فهم أهمية هذه التحركات الدبلوماسية بمعزل عن الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي تعصف بقطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023. فعلى مدار عامين كاملين، شنت إسرائيل، بدعم عسكري وسياسي أمريكي واسع، حرباً وصفها مراقبون دوليون بـ “حرب الإبادة”، خلفت وراءها أرقاماً مفزعة تتجاوز قدرة المجتمع الدولي على الاستيعاب. فقد ارتقى أكثر من 71 ألف شهيد، وأصيب ما يزيد عن 171 ألفاً آخرين، الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مرمى النيران المباشرة.
ولم يتوقف الأمر عند الخسائر البشرية؛ إذ تعرضت البنية التحتية للقطاع لدمار شامل طال نحو 90% من المرافق المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. وبحسب تقديرات أولية صادرة عن الأمم المتحدة، فإن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية قد تتجاوز حاجز الـ 70 مليار دولار، وهو رقم يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لإيجاد حل جذري يمنع تكرار هذه المأساة.
خطة “النقاط العشرين” وعقبة المرحلة الثانية
في التاسع والعشرين من سبتمبر 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن خطة للسلام تهدف إلى وضع نهاية نهائية للحرب، تتألف من 20 بنداً مفصلاً. وبالرغم من أن المرحلة الأولى من هذه الخطة قد دخلت حيز التنفيذ فعلياً في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن المسار نحو المرحلة الثانية اصطدم بتعنت إسرائيلي واضح. فبينما التزمت الأطراف الأخرى ببنود التهدئة الأولية، مارست إسرائيل سياسة “المماطلة الممنهجة”، مع استمرار الخروقات الميدانية التي تهدد بانهيار الاتفاق الهش برُمته.
وتسعى تركيا، من خلال مشاركة الوزير فيدان، إلى الضمان بأن المرحلة الثانية لن تكون مجرد “تكرار للوعود”، بل إطاراً زمنياً ملزماً يتضمن انسحاباً كاملاً، ورفعاً للحصار، وبدء عمليات الإغاثة الكبرى. إن الدور التركي هنا يتجاوز مجرد الوساطة؛ فهو دور “الضامن” الذي يسعى لحماية الحقوق الفلسطينية وضمان عدم التفاف الجانب الإسرائيلي على التزاماته الدولية تحت ذريعة “الأمن”.
آفاق المستقبل: هل ينجح الضغط الدولي؟
يبقى السؤال الجوهري معلقاً فوق طاولة المفاوضات: هل ستمتلك الإدارة الأمريكية الحالية والوسطاء الإقليميون أدوات الضغط الكافية لإجبار إسرائيل على الانتقال للمرحلة الثانية؟ الاجتماعات المتتالية بين أنقرة والقاهرة والدوحة وواشنطن تشير إلى وجود إرادة دولية لإنهاء هذا الملف، إلا أن الفجوة بين الطموحات الدبلوماسية والواقع الميداني لا تزال واسعة. إن مشاركة هاكان فيدان في هذا التوقيت ترسل رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار في المنطقة لن يتحقق إلا من خلال سلام عادل وشامل، يبدأ من غزة وينتهي بإنهاء الاحتلال، وهو ما تسعى تركيا لترسيخه في كل محفل دولي.
مصدر المعلومات الأساسية: TRT


اترك تعليقاً