سَنَا الضَّادِ: المَنْهَجُ القَوِيمُ فِي اكْتِسَابِ المَلَكَةِ اللُّغَوِيَّةِ
إنَّ اللسانَ هو تُرجمانُ الجَنان، وعنوانُ البيان، بهِ تتمايزُ العقولُ وتُبنى الحضارات. غير أنَّ الناظرَ في أحوالِ مجتمعاتنا العربية اليوم، يرتدُّ إليه طرفُه خاسئاً وهو حسير؛ لِما يراهُ من وهنٍ أصابَ العروبةَ في لسانِها، وعِيٍّ أصابَ النخبةَ قبل العامة في بيانِها. لقد باتَ اكتساب الملكة اللغوية غايةً تنشدُها النفوسُ الأبيةُ لاستعادةِ مَجدِ لغةِ القرآن الكريم، وهو ما نسعى لتأصيلِه في هذا المبحثِ الجامع بين تراثِ ابن خلدونٍ الراسخ ونظرياتِ اللسانياتِ الحديثة.
واقعٌ مرير وفصاحةٌ غائبة
لم يعد يخفى على ذي بصيرةٍ ما تعانيه أمتنا من اغترابٍ لغوي، حيث ضاعت العربيةُ بين أهلِها، وعجزَ المثقفون عن إقامةِ عبارةٍ مستقيمة أو كتابةِ صفحةٍ خالية من الهناتِ المخلة. والعجبُ كل العجب، أنَّ هذا الضعفَ يتفاقمُ رغمَ تصدُّرِ مادةِ اللغةِ العربيةِ للمناهجِ الدراسيةِ لسنواتٍ طوال، مما يوجبُ علينا إعادةَ النظرِ في طرائقِ التدريسِ لسدِّ الخللِ ورسمِ منهجٍ قويمٍ يمتلكُ به الجيلُ ناصيةَ البيان.
اللغة مَلَكةٌ صِناعية: الرؤية الخلدونية واللسانيات الحديثة
لقد قرر إمامُ الاجتماعِ ابن خلدون في مقدمتِه أنَّ اللغةَ مَلَكةٌ لا تُنالُ إلا بالدُّربة، حيث قال رحمه الله: ((اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذٍ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة، والملكات لا تحصل إلاّ بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولاً وتعود منه للذات صفة ثم يتكرر فتكون حالاً، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة)).
وهذا ما أيَّدته اللسانياتُ الحديثةُ عند "تشومسكي"، الذي يرى أنَّ الطفلَ يولدُ ومعهُ قدرةٌ فطريةٌ لتعلمِ اللغة، تعتمدُ في بدايتِها على المحاكاةِ والتقليدِ لما يسمعُه من الكبار، وهو ما يُعرف بالبنيةِ السطحيةِ التي تتطورُ مع الزمنِ لتتصلَ بالبنيةِ العميقةِ للمعاني.
مرافئ الاكتساب: خُطّة العمل المقترحة
بناءً على ما سلف، نضعُ بين أيديكم ملامحَ خطةٍ عمليةٍ لاستعادةِ الفصاحة، تقومُ على ركائزَ متينة:
أولاً: الغرس المبكر والمحاكاة الفطرية
تُعدُّ السنواتُ الستُّ الأولى من عمرِ الطفلِ هي مرحلةَ "الخصوبةِ اللغوية". ومن هنا تبرزُ أهميةُ تجاربَ رائدةٍ مثل تجربة الدكتور عبد الله الدنان، التي تقومُ على إحاطةِ الطفلِ ببيئةٍ فصيحةٍ لا يسمعُ فيها إلا العربيةَ المصفاة، مما يُنمي لديهِ قدرةً عجيبةً على القياسِ والاشتقاقِ بلا تكلف.
ثانياً: معاقل البيان (القرآن، الحديث، وعيون الأدب)
لا سبيلَ لامتلاكِ مَلَكةِ اللسانِ إلا بحفظِ الذخائرِ اللغوية، وفي مقدمتِها:
- القرآن الكريم: هو مفتاحُ العربيةِ وبوابتُها، وكما قال الأستاذ الأفغاني رحمه الله: ((بين علوم القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية ترابط محكم، فمهما تتقن من علوم العربية وأنت خاوي الوفاض من علوم القرآن فعلمك بها ناقص واهي الأساس)).
- الحديث النبوي الشريف: فصاحبُه صلى الله عليه وسلم أفصحُ من نطقَ بالضاد، وقد قال يونس بن حبيب: ((ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله ﷺ)).
- نهج البلاغة: مجمعُ الفصاحةِ التي عليها مسحةٌ من العلمِ الإلهي وعبقةٌ من الكلامِ النبوي.
- أصول الأدب الأربعة: (أدب الكاتب لابن قتيبة، الكامل للمبرد، البيان والتبيين للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي).
ثالثاً: النحو الوظيفي والبلاغة (السور والزينة)
إنَّ النحو هو السورُ المنيعُ الذي يحمي اللسانَ من الزلل، ويجبُ التركيزُ على "النحو الوظيفي" الذي يضبطُ الكلماتِ ويقيمُ الجمل، لا الغرقُ في التفريعاتِ الشاذة. ثم تأتي البلاغةُ لتعلمَ الطالبَ كيف يصيبُ المعنى، وكيف يضعُ الكلامَ في موضعهِ لموافقةِ مقتضى الحال، مستمداً ذلك من كتبِ الأئمةِ كعبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز".
رابعاً: التجويد ودقة الأداء
التجويدُ هو إعطاءُ كلِّ حرفٍ حقَّه ومستحقَّه، وهو من لوازمِ الفصاحة. فمن لم يُجودِ القرآنَ لن تكتملَ له أدواتُ البيان، امتثالاً لقوله سبحانه وتعالى: {وَرَتِلِ القُرْءَانَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4].
خامساً: المران والممارسة (حياة اللسان)
الفصاحةُ معاناةٌ ومزاولة، واللسانُ عضوٌ إذا مرَّنتَه مَرَن، وإذا أهملتَه خار. لذا يجبُ أن تكونَ العربيةُ هي لغةَ التدريسِ في الجامعاتِ والمحافل، لتخرجَ الألسنةُ من إسارِ العجمةِ والركاكة.
دور الإعلام ومسؤولية الأمة
إنَّ وسائلَ الإعلامِ تغزو كلَّ بيت، ويجبُ إخضاعُها لرقابةٍ لغويةٍ صارمةٍ تنفي عنها أوضارَ اللحنِ والعجمة. إنَّ هذا العملَ واجبٌ دينيٌّ ووطنيٌّ يتطلبُ قراراً سياسياً حكيماً يُعيدُ للضادِ هيبتَها في الإعلانِ والإعلام.
خاتمة
إنَّ لغةَ المرءِ هي هويتُه، وما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ. فاللهَ اللهَ في لسانِكم العربي، فإنه وعاءُ دينِكم ومستودعُ فكرِكم. نسألُ اللهَ عز وجل أن يُجريَ الفصاحةَ على ألسنتِنا، وأن يجعلَنا من حُماةِ لغتِه الشريفة، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.



اترك تعليقاً