منهاج النبوة في موازنة القول: قراءة تأصيلية في خطاب موسى عليه السلام لفرعون
إن استقراء مناهج الأنبياء في تبليغ رسالات الله عز وجل يكشف عن توازن دقيق وعميق بين رقة الأسلوب وجزالة المضمون. ودأب فئام من الناس -في معرض الاستدلال على سماحة الإسلام ويسر الدين أو في سياق الرد على الخطاب الدعوي المتشدد- على الاحتجاج بأمر الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].
بيد أن هذا الاحتجاج، وإن أصاب في إثبات مشروعية الرفق، قد يغفل في كثير من الأحيان عن كنه هذا اللين وحدوده الشرعية، وعن الموقف الذي تشتد فيه العبارة إعزازاً للحق وقمعاً للباطل، وهو ما يتجلى في سيرة كليم الله موسى عليه السلام.
فلسفة اللين في المنهج القرآني
لا ريب أن آيات الكتاب العزيز ونصوص السنة النبوية المطهرة قد أمرت باللين في الدعوة والحوار والمجادلة، بوصفه أسلوباً ومنهجاً في تبليغ الحق؛ إذ الغاية هي الهداية لا الغلبة. وفي هذا السياق، يقول العلامة طاهر بن عاشور رحمه الله:
(واللين من شعار الدعوة إلى الحق، قال تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: 125] وقال: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران: 159]. ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ [النازعات: 18، 19] وقوله: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: 47]، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى) [التحرير والتنوير 16/ 225].
حقيقة اللين وضوابطه الشرعية
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو اللين الذي أُمر به موسى وهارون عليهما السلام، وما هي حدوده وضوابطه؟
إن اللين المأمور به هو ما علمهما الله عز وجل أن يقولاه؛ فهو سبحانه الذي بعثهما، وهو الذي رسم لهما منهج الدعوة وأساليب الخطاب، لا سيما والمخاطب شخصية استثنائية في طغيانها، ادعت الربوبية وعاشت في بيئة تُؤلّهها. فكان الأمر باللين مدخلاً نفسياً ضرورياً لتهيئته لسماع الحق، لم يقف عند حدود اللطف اللفظي بل كان حكمة ربانية بالغة.
وقد ذهب المفسرون إلى أن المراد باللين الوارد في الآية "تكنية فرعون" كما في تفسير الطبري وابن أبي حاتم والقرطبي وغيرهم، وهو منقول عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد والحسن والثوري والسدي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً قال: "لا تعنّفا في قولكما ولا تغلظا"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: القول اللين قوله تعالى: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى﴾.
إن الأمر باللين لا يعني بحال من الأحوال التذلل أو المسكنة أو المداهنة، ولا يعني تمييع الحق أو التنازل عن ثوابته. وينبغي للداعية الفطن أن يفرق بين "لين الكلمة" و"قوة المضمون"؛ فقد تكون العبارة لطيفة في جرسها، لكنها تحمل من ثقل الحق ما يضيق به صدر المبطل.
الصدع بالحق وعزة الرسالة
إن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن؛ فالمتأمل في آيات قصة موسى عليه السلام يجد قوة في العبارة وصراحة لا مداهنة فيها، وهي لا تنافي اللين المأمور به في موضعه. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الهدى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [طه: 47- 48].
وفي مقام آخر، يتجلى التحدي في ذروته حين واجه موسى عليه السلام فرعون الذي يرى نفسه رباً، فنزع عنه رداء الربوبية وأعلنها لله وحده، قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا. قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 101- 102].
التدرج من اللين إلى الصرامة
لقد سلك كليم الله عليه السلام مسلكاً تصاعدياً في الخطاب؛ فبعد أن عاند فرعون واستكبر، لم يداهنه موسى عليه السلام، بل ناداه باسمه "يا فرعون" وأعلمه بمصيره وهو "الثبور". والثبور كما حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما هو اللعن، وقال مجاهد هو الهلاك.
وهذا الخطاب، وإن بدا شديداً، إلا أنه يمثل قمة الأمانة في البلاغ؛ فاللين في البداية كان طمعاً في الهداية، والصرامة في النهاية كانت صدعاً بالحق بعد قيام الحجة.
الدروس المستفادة من الخطاب الموسوي
إن مجموع الآيات في قصة موسى مع فرعون تبين أن الخطاب الدعوي المتكامل يتضمن الركائز التالية:
- ابتداء الخطاب باللين والرفق: استمالةً للقلوب وفتحاً لمغاليق الصدور.
- عزة المؤمن وصراحته: عدم المداهنة في أصل التوحيد وحقوق المظلومين.
- التدرج الحكيم: الانتقال من اللين إلى التشديد في المضمون عند العناد، دون الوقوع في السب أو الشتم.
- الوضوح في المصير: بيان عاقبة التكذيب بعبارات حاسمة لا تقبل التأويل.
الخاتمة
صفوة القول، إن القوة والصرامة في قول الحق لا ينافيان اللين في الخطاب والعبارة؛ فاللين المقصود هو الذي يخدم الحق ولا يميعه، والصرامة المطلوبة هي التي تعز الدين ولا تنفر الخلق. فما أحوجنا اليوم إلى فقه يجمع بين رقة الأسلوب وقوة اليقين، اقتداءً بأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال، واجعلنا من الصادعين بالحق على بصيرة وهدى.
المصدر: إسلام أون لاين



اترك تعليقاً