أجندة الاقتلاع: قراءة أدبية في مخطط بن غفير لتهجير سكان غزة

أجندة الاقتلاع: قراءة أدبية في مخطط بن غفير لتهجير سكان غزة

هل يملك بشرٌ حق شطب شعبٍ من خارطة الوجود بقرارٍ سياسي؟

تطل علينا من نافذة السياسة المعاصرة وجوهٌ لا ترى في الإنسان إلا رقماً في معادلة ديموغرافية، وفي الأرض إلا مساحةً للتمدد القسري. إن ما أعلنه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير حول تهجير سكان غزة ليس مجرد تصريح عابر، بل هو إفصاح صريح عن رغبة في هندسة الجغرافيا البشرية بما يخدم أيديولوجيات الإقصاء. إننا أمام رؤية تسعى لتحويل الاقتلاع من جريمة إنسانية إلى خطة عمل مبرمجة، متجاهلةً جذوراً ضاربة في أعماق التاريخ.

خطة الانفصال 710: هندسة المحو بالأرقام

يتحدث بن غفير عما يسميه "خطة الانفصال 710"، وهي تسمية رقمية جافة لمأساة إنسانية كبرى تهدف إلى ما وصفه بـ "التهجير الطوعي". إن هذه الخطة تمثل ذروة التطهير العرقي المنظم، حيث تضع جدولاً زمنياً دقيقاً لإفراغ الأرض من أصحابها، وكأنها تتعامل مع أرقام صماء لا مع أرواح وعائلات وذكريات.

تتوزع مستهدفات هذه الخطة الطموحة في نظر واضعيها والمظلمة في نظر الإنسانية على النحو التالي:

  • المرحلة الأولى: تهجير 250 ألف فلسطيني من قطاع غزة خلال السنة الأولى.
  • المرحلة المتوسطة: رفع وتيرة التهجير ليصل إلى 1.11 مليون إنسان خلال 3 سنوات.
  • المرحلة النهائية: استكمال تهجير 1.86 مليون فلسطيني خلال 7 سنوات.

إن هذا التدرج في الأرقام يشبه النحت في جسد أمة، حيث يتم تحويل مفهوم "الوطن" إلى مساحة قابلة للإخلاء القسري تحت مسميات واهية.

المسجد الأقصى: قدس الأقداس تحت وطأة الانتهاكات

لم يتوقف الطموح الإقصائي عند حدود غزة، بل امتد ليعبث بقدسية المكان في مدينة السلام. فبالتزامن مع الترويج لمخطط تهجير سكان غزة، شهد شهر أغسطس/آب الماضي تصعيداً خطيراً في المسجد الأقصى. إن الانتهاكات التي طالت المقدسات الإسلامية تعكس رغبة في تغيير الهوية الروحية للمكان، حيث سجلت وزارة الأوقاف الفلسطينية 26 اقتحاماً للمسجد الأقصى خلال شهر واحد فقط.

يسعى بن غفير من خلال هذه التحركات إلى فرض سيادة مطلقة على ما يسميه "جبل الهيكل"، مع تشديد الخناق على الأسرى الفلسطينيين والمطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام، في ثلاثية مرعبة تجمع بين التهجير، والتدنيس، والقتل القانوني.

دبلوماسية الاتهامات: حين تضيق عباءة التحالف

على الصعيد الدولي، لم تخلُ الساحة من تداعيات هذا الفكر المتطرف، حيث وصلت شظايا المواقف إلى الحلفاء التقليديين. فقد اتهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بريطانيا بمعاداة السامية؛ لمجرد أن وزير خارجيتها، إد ميليباد، انتقد الأوضاع الإنسانية الكارثية في غزة.

هذا التوتر الدبلوماسي يكشف عن عمق الأزمة؛ فالمطالبة بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية باتت تُجابه بتهم جاهزة، مما يعكس رغبة في عزل غزة ليس فقط جغرافياً عبر تهجير سكان غزة، بل وعزلها أخلاقياً عن تعاطف العالم.

خاتمة: الأرض لا تخون أصحابها

إن السياسة التي تقوم على نفي الآخر واقتلاعه من أرضه هي سياسة محكومة بالفشل الأخلاقي قبل التاريخي. فالتاريخ يعلمنا أن الهوية ليست ثوباً يُخلع بقرار، وأن الحقوق المشروعة لا تسقط بمرور السنوات أو بتغيير الأرقام في خطط التهجير. سيبقى الإنسان الفلسطيني ثابتاً في أرضه، وستظل محاولات المساس بالمقدسات وقوداً لإصرار الشعوب على نيل حريتها، فالحق أبلج والباطل لجلج، وليل الظلم مهما طال، فلا بد من بزوغ فجر العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *