أنين الأسواق في أم درمان: لماذا تخاصم الأسعار لغة الأرقام في الاقتصاد السوداني؟

أنين الأسواق في أم درمان: لماذا تخاصم الأسعار لغة الأرقام في الاقتصاد السوداني؟

لغز الأرقام المضللة: حين تنخفض الإحصائيات وتشتعل الأسواق

هل يمكن للغة الأرقام أن تخون واقع الناس؟ في قلب مدينة أم درمان، يقف التاجر شريف محمد الحسن أمام متجره لمواد البناء، لا يراقب حركة البيع والشراء بقدر ما يراقب شاشة هاتفه التي تنبئ بتقلبات سعر الصرف. إن المشهد في الاقتصاد السوداني اليوم يجسد مفارقة صارخة؛ فالبيانات الرسمية تتحدث عن تراجع في معدلات التضخم، بينما تئن جيوب المواطنين من وطأة أسعار تتصاعد بلا هوادة. هذا الانفصام بين الورق والواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا لا يشعر إنسان السودان ببرد الإحصائيات وسط لهيب الغلاء؟

دوامة العملة: التاجر بين مطرقة التكلفة وسندان البقاء

يعيش التاجر السوداني حالة من «التحوط القسري»، حيث لم يعد البيع غاية في حد ذاته، بل أصبح مخاطرة قد تودي برأس المال. إن تذبذب سعر الصرف جعل من عملية التسعير معركة يومية؛ فالجنيه الذي يقبضه التاجر صباحاً قد لا يكفي لشراء ذات البضاعة مساءً.

تتجلى هذه الأزمة في الفجوة العميقة بين السعر الرسمي والموازي:

  • السعر الرسمي: يتراوح بين 3700 و4200 جنيه للدولار.
  • السعر الموازي: تجاوز حاجز 7000 جنيه للدولار.

هذا التفاوت الضخم، الذي يشبه الهوة السحيقة، يدفع التجار لرفع الأسعار بنسب تراوحت بين 40% و60% لتغطية تكاليف «إعادة الاستبدال». فالدولار هنا ليس مجرد عملة، بل هو البوصلة التي تحدد قدرة المحال التجارية على البقاء مفتوحة الأبواب.

سلة الغذاء ورهان النقل: أرقام من واقع المعاناة

في ردهات أسواق المواد الغذائية، يروي التاجر أبو القاسم الأمين قصة السكر الذي زاد سعره في يومين فقط من 215 ألفاً إلى 225 ألف جنيه للجوال. هذه الزيادات ليست مجرد أرقام، بل هي أحمال إضافية على كاهل الأسر. وتكشف البيانات الإحصائية عن هيكل الإنفاق السوداني الذي يتركز في ضروريات الحياة:

  • الأغذية والمشروبات: تستنزف 52.89% من دخل الأسر.
  • السكن والطاقة: تستهلك 14.17% من الإنفاق.
  • النقل والترحيل: يمثل 8.34%، وهي نسبة مرشحة للزيادة مع اضطراب الطرق.

إن ارتفاع تكلفة النقل يعمل كـ «ضريبة خفية» تضاف على كل سلعة، حيث تتحول المسافات بين المدن في ظل الحرب إلى رحلات محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة، مما يجعل السلعة تصل للمستهلك مثقلة بأعباء الوقود والترحيل.

مغالطة التضخم: لماذا لا يعني الانخفاض رخصاً؟

أعلن الجهاز المركزي للإحصاء عن تراجع التضخم السنوي إلى 41.61% في يوليو، مقارنة بـ 51.28% في يونيو. قد يبدو هذا الخبر ساراً في ظاهره، لكن القراءة المتأنية تكشف أن هذا التراجع هو انخفاض في «معدل الزيادة» لا في «الأسعار ذاتها». فالأسعار لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أقل سرعة من ذي قبل، حيث زاد الرقم القياسي لأسعار المستهلك بنسبة 1.47% على أساس شهري.

يؤكد الخبير الاقتصادي خضر علي أن الاقتصاد السوداني يعاني من تراجع الإنتاج وتوقف سلاسل الإمداد، مما جعل الدولار ملاذاً آمناً للمدخرات، وزاد من الضغط على الجنيه. إن انخفاض القوة الشرائية جعل النقود في يد المواطن، مثل سائق الأجرة عبد الله سالم، مجرد أرقام باهتة لا تشتري كفاف يوم أطفاله الخمسة.

خاتمة: نحو فجر اقتصادي بعيد

إن الأزمة في أم درمان ليست مجرد أرقام صماء في تقارير إحصائية، بل هي ملحمة يومية يعيشها الإنسان السوداني بين رغبة في البقاء وعجز عن مسايرة الأسعار. سيبقى التضخم غولاً يطارد الأسواق ما لم تضع الحرب أوزارها، وتعود عجلة الإنتاج للدوران. فالاقتصاد في نهاية المطاف ليس إلا انعكاساً للاستقرار؛ وبدون استقرار، تظل الأرقام حبراً على ورق، ويظل الواقع صرخة في وادٍ سحيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *