بين أنين درعا وصدمة الكرك: قراءة في فجيعة الغارات الأردنية على الجنوب السوري

بين أنين درعا وصدمة الكرك: قراءة في فجيعة الغارات الأردنية على الجنوب السوري

بين أنين درعا وصدمة الكرك: قراءة في فجيعة الغارات الأردنية على الجنوب السوري

هل تملك الصواريخ لغةً تشرح للأيتام لماذا استُبيحت خلوة بيوتهم؟ وهل يملك الغبار الذي خلفه الركام أن يوارِيَ تساؤلات شيخٍ سبعيني قضى عمره معلماً للأجيال، ليرحل في غارة لم تفرق بين ساحات الوغى ومزارع الزيتون؟ إن ما شهدته مناطق الجنوب السوري مؤخراً من الغارات الأردنية على سوريا يضعنا أمام مشهد إنساني يمتزج فيه الحزن بالذهول، وتختلط فيه دماء الأبرياء بحسابات الردع والسياسة.

صرخة من قلب الركام: شهادات حية

في ريف درعا، حيث الأرض تنطق بعبق التاريخ، ارتفع صوت نجل أحد الضحايا متسائلاً بمرارة: "لماذا قُتل والدي ودُمّر بيتنا؟". والده، ذاك المعلم البالغ من العمر 72 عاماً، والذي أفنى شبابه في تربية العقول ونقل المسافرين عبر دروب الخليج، لم يكن يوماً رقماً في سجلات أمنية، بل كان رقماً صعباً في قلوب محبيه.

تتكرر المأساة في شهادة "عوض السليم"، الذي لم يفقد جداراً أو سقفاً، بل فقد وطناً مصغراً؛ حيث حصد القصف أرواح شقيقه وزوجته وابنهما الشاب، وثلاثة أطفال لم تكن أحلامهم تتجاوز مرعى أغنامهم في منزلهم الآمن.

فاتورة الدم: إحصائيات وأرقام موجعة

لم تكن هذه العمليات مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار، بل كانت زلزالاً ضرب أجساداً غضة وشيوخاً ركعاً. إليكم الحصيلة الموثقة التي رصدتها فرق الدفاع المدني السوري:

  • إجمالي الشهداء: 7 مدنيين ارتقوا إلى بارئهم في حصيلة أولية.
  • التوزيع الديموغرافي: 3 أطفال، 3 رجال، وامرأة واحدة.
  • المصابون: 3 جرحى بينهم طفل يتلمس طريق الشفاء.
  • المواقع المستهدفة: 4 نقاط رئيسية توزعت بين ريفي درعا والسويداء.

خارطة الوجع الجغرافي

  1. قرية الطف (اللجاة): غارة استهدفت خيمة لعائلة نازحة، أدت لمقتل 5 أفراد من عائلة واحدة.
  2. مزارع الشياح (نصيب): غارة غيبت المواطن رياض كراد، شيخٌ بلغ من العمر 80 عاماً.
  3. بلدة شهيب (السويداء): استشهاد المواطن مطلق أبو الخيل (60 عاماً).
  4. بلدة المزيريب: 6 غارات جوية خلفت دماراً مادياً وصاروخاً لم ينفجر، كاد أن يضاعف الفاجعة.

سياق الردع وظلال الكرك

تأتي هذه العملية، التي أطلق عليها الجيش الأردني اسم "الردع الأردني – حمود"، كرد فعل مباشر على الهجوم الغادر الذي استهدف مراسم تشييع في محيط كنيسة القديس جاورجيوس بمحافظة الكرك الأردنية، والذي أسفر عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة 34 آخرين.

وبينما يؤكد الجيش الأردني أن ضرباته استهدفت "أوكار التنظيمات الإرهابية" المرتبطة بمنفذي هجوم الكرك (الأخوين هزاع ومشعل زيدان ونسيبهم أحمد سامي)، تبرز الفجوة بين الأهداف العسكرية والواقع الميداني الذي يتحدث عن ضحايا مدنيين لا ناقة لهم في التكفير ولا جمل في تهريب السموم.

الموقف الرسمي: تنسيق غائب وتحقيق مفتوح

على الصعيد الدبلوماسي، أعربت وزارة الخارجية السورية عن أسفها العميق لسقوط الضحايا، مؤكدة استمرار التواصل مع الجانب الأردني للوقوف على الأسباب. وفي المقابل، أعلنت الحكومة السورية بوضوح عدم وجود تنسيق مسبق بشأن هذه العملية، فاتحةً تحقيقاً رسمياً في ملابساتها.

خاتمة: حين تنطق الحقيقة من تحت الأنقاض

إن الحفاظ على الأمن القومي حق مشروع، والضرب على يد الإرهاب واجب شرعي ووطني، ولكن حين تضل الصواريخ طريقها لتستقر في صدور الأطفال والشيوخ، فإن البيان العسكري يعجز عن تبرير الدمعة في عين يتيم. إن الأرواح المعصومة ليست أهدافاً جانبية، والحقيقة تقتضي أن يكون العدل هو البوصلة التي توجه السلاح، حتى لا يتحول الردع إلى فجيعة، وحتى لا يظل السؤال قائماً في أزقة درعا: "بأي ذنب قُتل هؤلاء؟".

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ بلادنا من كل سوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *