تفاهمات تحت الرماد: كيف أعاد «اتصال ترمب» رسم خارطة القوة في باب المندب؟

تفاهمات تحت الرماد: كيف أعاد «اتصال ترمب» رسم خارطة القوة في باب المندب؟

تفاهمات تحت الرماد: كيف أعاد «اتصال ترمب» رسم خارطة القوة في باب المندب؟

هل يمكن للسياسة أن تروض أمواج البحر الأحمر الهائجة، أم أن ما يجري في باب المندب ليس إلا سكوناً يسبق عواصف أكثر ضراوة؟ في العاصمة الأيرلندية دبلن، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حجراً في مياه الدبلوماسية الراكدة، كاشفاً عن اتصال من جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) يعكس رغبة في تجنب الصدام مع واشنطن؛ وهو تصريح يفتح الباب على مصراعيه لفهم هندسة «التعايش البحري» التي تتشكل ملامحها وسط نيران الميدان.

سراب التصريحات وحقيقة الميدان

بينما كانت نيران المعارك تلتهم الساحل الغربي لليمن، وتدفع بنحو 50 ألف نازح نحو المجهول، جاء حديث ترمب ليوحي بوجود تفاهمات ضمنية تضمن انسياب الملاحة الأمريكية. هذا المشهد، الذي يشبه «فن الممكن» في أبهى صوره، قوبل بنفي قاطع من صنعاء وصف هذه التفاهمات بأنها «محض أوهام».

يرى المراقبون أن هذا التناقض يمثل ذروة «الغموض الإستراتيجي»؛ فالحوثيون يستمدون شرعيتهم من مناهضة واشنطن، وأي إقرار علني بالمهادنة قد يصدع جدار سرديتهم الأيديولوجية. ومع ذلك، تؤكد الوقائع المادية وجود «تفاهم عملي» لا يرتقي للاعتراف السياسي، بل هو صيغة لتبادل المنافع.

مصفوفة المصالح: ماذا ربح كل طرف؟

تتقاطع تقديرات الخبراء، ومنهم أستاذ الدبلوماسية «بورناكا إل. دي سيلفا»، عند حقيقة أن هذه الترتيبات تقوم على «ضمانات مشروطة». ويمكن تلخيص هذه المعادلة في النقاط التالية:

  • المكسب الأمريكي: حماية الأفراد والقطع البحرية دون التورط في استنزاف عسكري مكلف قبل انتخابات الكونغرس النصفية.
  • المكسب الحوثي: تثبيت السيطرة الميدانية على مواقع إستراتيجية مثل ميناء المخا وجزيرة ميون، وفك الارتباط العسكري بين واشنطن والرياض.
  • معادلة الردع: استحضار القوة عبر إسقاط قرابة 20 طائرة من طراز (MQ-9) واستهداف 4 بوارج حربية، مما فرض على واشنطن تراجعاً تكتيكياً.

باب المندب في ميزان الأولويات الأمريكية

يكشف المحلل السياسي سليمان العقيلي عن تراتبية خطيرة في الأولويات الأمريكية؛ إذ تضع إدارة ترمب مضيق هرمز في قمة اهتمامها لكونه شريان الطاقة للغرب، بينما ينحدر باب المندب إلى قاع القائمة لأنه يخدم تدفق النفط نحو الأسواق الآسيوية المنافسة.

هذا التراجع الأمريكي ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو نتاج حسابات دقيقة تخشى تآكل الشعبية السياسية واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية. إنها سياسة «التجميد المؤقت» للصراعات، بانتظار ما ستسفر عنه التحولات الإقليمية الكبرى.

آفاق التهدئة: هل تصمد التفاهمات؟

تظل هذه التفاهمات هشة كبيت العنكبوت، تفتقر إلى الضمانات المؤسسية، وهي مهددة بالانهيار أمام ثلاثة سيناريوهات:

  1. المدى القريب: استمرار الهدنة الهشة طالما استمرت المصالح المتبادلة.
  2. المدى المتوسط: احتمال الانهيار مع أي خطأ تقني يصيب سفينة أمريكية أو تنفيذ اغتيالات إسرائيلية لقيادات حوثية.
  3. المدى البعيد: انفجار الموقف كلياً إذا تحول الدعم الأمريكي للشركاء الإقليميين إلى مشاركة عسكرية مباشرة لاستعادة الساحل.

خاتمة: حكمة القوة وقوة الحكمة

إن ما يشهده باب المندب اليوم ليس سلاماً دائماً، بل هو «هدنة الضرورة» التي أملتها براغماتية ترمب وطموحات الحوثيين في تثبيت مكاسب الأرض. إن التاريخ يعلمنا أن التفاهمات التي تُكتب بمداد المصالح العابرة، غالباً ما تمحوها أمواج الصراعات الوجودية. يبقى المضيق رهينة لتوازنات القوى، وتظل الحقيقة الساطعة أن من يملك الساحل يملك القرار، ومن يتقن فن الصبر يربح الرهان في نهاية المطاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *