خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام: سر الفقه في الدين

مقدمة: حكمة التفاوت وسنة الله في الخلق

الحمد لله الذي جعل في تفاوت الخلق حكمة، وفي تباين عقولهم ومنازلهم آية وعبرة، نحمده سبحانه على نعمة الإسلام، ونشكره على هدايته لنا لتدبر أحكام هذا الدين العظيم. أما بعد:

يقول رب العالمين سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ }}. أيها الإخوة الكرام، إن المتأمل في ملكوت الله يجد أن سنة الله تعالى في خلقه قد جرت على جعل التفاوت بينهم أصلاً ثابتاً، فليس الناس على حال واحدة، ولا هم في رتبة متساوية.

فكما أن من الناس مؤمناً ومنهم كافراً، وكما أن فيهم الخبيث والطيب، والسهل والحزْن، والفاضل والمفضول، كذلك جعل الله الأرزاق والمواهب والمدارك متباينة. يقول الله عز وجل: {{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }}.

منزلة العلم والفهم عن الله

إن كان الأنبياء هم صفوة الخلق وأفضلهم، فإن منزلة من أوتي العلم النافع تأتي في ذروة المجد البشري بعدهم. فالعالم الذي يفهم مقاصد الشرع ويعمل بها، تشع هيبته وفضله في الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.

هناك بون شاسع بين إنسان أوتي علماً نافعاً وفهماً ثاقباً، وبين آخر لم يرزق من العلم إلا ظاهره. إن المسافة بين من يفهم عن الله مراده، وبين من يتجمد عند حدود النص دون فقه لمقاصده، هي كالمسافة بين السماء والأرض، أو بين المشرق والمغرب.

وقد تجلى هذا المعنى في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «« سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّمَ : أيُّ الناسِ أَكْرَمُ ؟ قال : أَكْرَمُهُمْ عندَ اللهِ أَتْقَاهُمْ . قالوا : ليس عن هذا نَسْأَلُكَ ، قال : فَأَكْرَمُ الناسِ و في روايةٍ : إنَّهُ الكريمُ ابنُ الكريمِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نبيِّ اللهِ ابنِ نبيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ . قالوا : ليس عن ذلكَ نَسْأَلُكَ ، قال : فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلونِي ؟ قالوا : نَعَمْ ، قال : فَخِيارُكُمْ في الجاهليةِ خِيارُكُمْ في الإسلامِ إذا فَقِهوا »».

إن هذا الحديث يضع أيدينا على حقيقة جوهرية؛ وهي أن المكارم الأخلاقية والمعدن الطيب في الجاهلية يزداد بريقاً وقيمة حين يمتزج بنور الإسلام، شرط أن يصاحب ذلك “الفقه”. فالفقه هو الذي يهذب الطاقة، ويوجه الشجاعة، ويجعل من الأخلاق الفطرية عبادة لله على بصيرة.

مرونة النصوص وبركة التدبر

لقد منّ الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بنصوص قرآنية مرنة، متجددة، صالحة لكل زمان ومكان. قال تعالى: {{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ }}. إن تدبر آيات الله هو الرحمة التي تورث الفهم، وإعمال العقل في مقاصد الشريعة يزرع الأمل في النفوس، ويفتح أبواب الرحمة.

فما دام في الإنسان عرق ينبض، فباب التوبة مفتوح، وهذا الفهم العميق لرحمة الله لا يدركه إلا الموفقون الذين لم يحجروا واسعاً. ولنا في قصة قاتل المئة نفس عبرة بالغة:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «« كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لَا، فَقَتَلهُ، فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وكَذَا، فإِنَّ بِهَا أُناسًا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ – أيْ حَكَمًا – فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أيَّتِهِمَا كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا، فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلَى الْأرْضِ الَّتِي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ »».

تأملوا الفرق بين الراهب العابد الذي ضيق رحمة الله بجهله، وبين العالم الفقيه الذي فتح باب الأمل وصان النفس البشرية. إن الفقه هو الذي أنقذ هذا القاتل التائب، وهو الذي حمى المجتمع من شرور اليأس.

الفقه التطبيقي: مدرسة الصحابة في فهم المقاصد

أيها الإخوة الكرام، إن تلاوة القرآن وحفظه وحدهما لا يكفيان إذا لم يصاحبهما مدارسة وتدبر للمقاصد. هكذا كان حال سلفنا الصالح؛ كانوا يتعلمون الآيات ليعملوا بها ويفقهوا مراميها.

يقول أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: “حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا”.

لقد أدرك الصحابة أن حفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة، وأنها مقدمة في أحوال كثيرة، فالدين جاء ليحفظ الإنسان لا ليهلكه. قال تعالى: {﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾}، وقال: {﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾}.

موقف عمرو بن العاص وفقه التيسير

في العام الثامن للهجرة، وفي غزوة ذات السلاسل، تجلى موقف فقهي عظيم لعمرو بن العاص رضي الله عنه. فقد احتلم في ليلة شديدة البرودة، وكان إماماً للجيش. خاف عمرو إن اغتسل بالماء أن يهلك من البرد، فاجتهد وتيمم وصلى بالناس إماماً.

فلما عادوا وذكروا ذلك للنبي ﷺ، سأله: “يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟”. فأجاب عمرو بوعي الفقيه: يا رسول الله خشيت إن اغتسلت أن أموت من شدة البرد وذكرت قول الله تعالى: {﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾} فتيممت وصليت. فضحك النبي ﷺ ولم ينكر عليه.

الدروس المستفادة من موقف عمرو بن العاص:

1. جواز التيمم عند خشية الضرر: حتى مع وجود الماء إذا كان استخدامه يؤدي إلى الهلكة.
2. سماحة التشريع: الإسلام دين يرفع الحرج ولا يكلف نفساً إلا وسعها.
3. مشروعية الاجتهاد: إقرار النبي لاجتهاد الصحابة المبني على فهم المقاصد.
4. إمامة المتيمم للمتوضئين: جواز صلاة من تيمم لعذر بمن توضأ بالماء.

فقه الضرورة: صلاة فاقد الطهورين

إن مقاصد الشريعة تهدف أولاً وأخيراً لسلامة الإنسان. ومن القواعد الفقهية الكبرى: “الضرر يزال”، و”المشقة تجلب التيسير”.

ومن أروع الأمثلة على ذلك ما يعرف بـ “صلاة فاقد الطهورين”. وهو الشخص الذي لا يستطيع استخدام الماء لمرض أو حرق، ولا يستطيع استخدام التراب لتضرر جلده، أو لكونه في حالة طبية تمنعه من الحركة. هنا يتدخل فقه الرحمة، فيصلي على حاله بلا وضوء ولا تيمم، ويكتفي بالفريضة وفاتحة الكتاب، وتجزئه صلاته ولا إعادة عليه.

وأصل هذا التيسير ما ورد في صحيح مسلم حين بعث النبي ﷺ أناساً لطلب قلادة ضاعت لعائشة رضي الله عنها، فحضرت الصلاة ولم يجدوا ماءً، فصلوا بغير وضوء (ولم يكن التيمم قد شرع بعد). فلما أخبروا النبي ﷺ لم ينكر عليهم، ونزلت آية التيمم: {{ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }}.

خاتمة: الفقه هو النجاة

أيها الإخوة، إن الفقه في الدين هو البصيرة التي تنير للمسلم دربه، وتحميه من الغلو أو التفريط. إن شريعتنا جاءت لتبني الإنسان وتحفظ حياته، فاجعلوا من فهم مقاصدها ديدنكم، ومن تيسيرها منهجكم.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفي كل مريض، ويعافي كل مبتلى، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *