رثاء القمم: في وداع العلامة الأستاذ الدكتور عدنان زرزور رحمه الله

رثاء القمم: في وداع العلامة الأستاذ الدكتور عدنان زرزور رحمه الله

رثاء القمم: في وداع العلامة الأستاذ الدكتور عدنان زرزور رحمه الله

حين يترجل الفرسان عن صهوة الحياة، ويغيب العلماء في ثرى الأرض، تنثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف صالح، وتفقد الأمة منارات كانت تضيء لها دروب الفكر والبيان. إن رحيل الأستاذ الدكتور عدنان زرزور -رحمه الله رحمة واسعة- ليس مجرد غياب لجسد، بل هو احتجاب لقامة علمية سامقة، قضت عمرها في محراب العلم والتحقيق.

رفقة الدرب وبدايات المسيرة العلمية

لقد جمعتني بأخي الراحل الدكتور عدنان، وبأخينا الأستاذ عمر عبيد حسنة، أواصر ممتدة وجذور ضاربة في عمق الزمن؛ إذ بدأت رحلتنا منذ نعومة أظفارنا في المرحلة الإعدادية، واستمرت حتى تخرجنا من الجامعة عام 1959م. كانت قاعات الدرس في جامعة دمشق، ومطالعاتها، ومحاضراتها العامة، تشهد على شغفنا المعرفي وتطلعنا لخدمة هذا الدين العظيم.

ولم تنقطع حبال الوصل بعد التخرج، بل كنا نحرص على اللقاء كلما سمحت الظروف، نتبادل الزيارات في منازلنا بين التل والميدان وقطنا، وننهل من معين أستاذنا الجليل مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- في منزله، بصحبة أستاذنا الدكتور محمد أديب صالح -رحمه الله-. وفي لحظة قدرية، وبينما كنا على موعد في بيت الدكتور عدنان لزيارة أستاذنا السباعي، فجأنا نعيُه، فصبرنا واحتسبنا قائلين: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

في محراب الصحافة والدراسات العليا

عقب وفاة الأستاذ السباعي عام 1964م، تولى الدكتور محمد أديب صالح رئاسة تحرير مجلة "حضارة الإسلام"، وشرفني بالعمل معه مديراً مسؤولاً. كانت تلك الفترة حافلة بالعطاء واللقاءات اليومية والجولات العلمية في ربوع الشام. وفي العام ذاته، انطلق الدكتور عدنان زرزور نحو القاهرة معيداً في دار العلوم، لتبدأ مرحلة جديدة من التحصيل العلمي الرفيع.

لقد كان للفقيد فضلٌ لا يُنسى؛ إذ سعى في تسجيلي لمرحلة الماجستير بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر أثناء وجوده في القاهرة. وهناك، وفي صحبته الكريمة، طفنا على أكابر العلماء والمحققين، فزرنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة، والأستاذ المحقق أحمد السيد صقر، والأستاذ رشاد عبد المطلب خبير المخطوطات، وغيرهم من جهابذة العلم في مصر الكنانة.

حياة الجوار والارتحال في سبيل العلم

شاءت الأقدار أن نجتمع مجدداً في دمشق عام 1973م، حيث تآورت بيوتنا مع الأخ عمر عبيد حسنة، فكنا نعيش حياة واحدة في مكان واحد، يجمعنا الهمّ الواحد والهدف السامي. ثم كانت رحلة الاغتراب الأكاديمي التي طفنا فيها بين الحواضر العلمية:

  • جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (1975-1982م).
  • جامعة الكويت، حيث استمر العطاء حتى عام 1990م.
  • الجامعة الأردنية وجامعة الإمارات، وصولاً إلى جامعة قطر.

وفي كل هذه المحطات، كان التواصل مستمراً، والتعاون العلمي قائماً؛ حيث أشرفنا وناقشنا الرسائل العلمية، ومنها أطروحة الدكتور صلاح الخالدي الموسومة بـ "في ظلال القرآن: دراسة وتقويم".

السجايا الأخلاقية والإرث المعرفي

لقد كان الدكتور عدنان زرزور -رحمه الله- نموذجاً للعالم الدؤوب الذي لا يعرف الكلل، والمحقق الذي لا يرضى إلا بالتدقيق. تميز بخصال كريمة، منها:

  1. الإخلاص في البحث: تجلى ذلك في مؤلفاته التي حررها وحبرها، وفي تحقيقاته العلمية الرصينة.
  2. التخصص الدقيق: برع في ميدان الدراسات القرآنية والفكرية، وترك بصمة واضحة في نفوس تلاميذه.
  3. الوفاء للإخوان: كان محباً لإخوانه، وفياً لأساتذته، باراً بطلابه.

الخاتمة: وداعٌ ودعاء

إننا بوفاة الدكتور عدنان زرزور، لا نعزي أسرته الكريمة فحسب، بل نعزي الأمة الإسلامية في فقد عالم متمكن ومحقق مدقق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزل مثوبته، وأن يتغمده بواسع رحمته، وأن يحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

اللهم ألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وأخلف على الأمة خيراً. "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *