حين تهتز عروش الساحرة المستديرة
هل يمكن لبريق الذهب أن يحجب شمس الشفافية في ملاعب الفيفا؟ في مدينة الرباط المغربية، لم تكن الرياح مجرد نسمات عابرة، بل كانت نذير أزمة عصفت بقمة الهرم في الاتحاد الدولي لكرة القدم. لقد وجد جياني إنفانتينو نفسه مضطراً لتقديم اعتذار علني، في لحظة فارقة تشبه انحناءة الشجر أمام العاصفة، بعد أن أثار مقترحه لبيع الحقوق التجارية لكأس العالم موجة من الغضب العارم.
إن الأزمة الراهنة ليست عارضاً عابراً، إنما هي مواجهة حتمية بين طموح القيادة الفردية وقواعد الحوكمة المؤسسية. فالمؤسسة التي تدير شؤون اللعبة الأكثر شعبية في العالم تقف اليوم على مفترق طرق، حيث يتصاعد التمرد وتتسع فجوته قبيل انتخابات الرئاسة المقررة العام المقبل.
صفقة المليارات: طموحٌ اصطدم بصخرة الرفض
كان المشروع الذي سحبه الفيفا يهدف إلى ضخ دماء مالية جديدة في عروق اللعبة، لكن الطريقة التي طُرح بها وصفت بأنها «مشروع الشخص الواحد». إليكم أبرز الأرقام والحقائق التي أشعلت هذا الفتيل:
- 4.2 مليار دولار: القيمة التقديرية للصفقة التي كانت تهدف لبيع حصة 20% في كيان جديد للحقوق التجارية.
- 211 اتحاداً وطنياً: تلقت جميعها رسائل اعتذار رسمية من الفيفا عن الأخطاء التي شابت هذا المقترح.
- علاقات شائكة: خضع الاقتراح للتدقيق بسبب مشاركة شركة مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مما أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي (يويفا).
هذه الأرقام، وإن بدت صماء، إلا أنها تحمل في طياتها صراعاً على «روح اللعبة»، كما وصفها المعارضون الذين اتهموا رئاسة الفيفا بسوء الإدارة وعدم التشاور.
جبهات التمرد: حين ينطق الكبار
لم يتوقف الأمر عند حدود البيانات الصحفية، بل انتقل إلى تصريحات نارية هزت أركان المنظمة الدولية. فقد أعلن مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي السابق وأحد الشخصيات المؤثرة، فقدان ثقته في جياني إنفانتينو، واصفاً غياب المشورة في قرار بهذا الحجم بأنه «كارثي» لأي قائد.
وفي داخل البيت الواحد، بدت الانقسامات واضحة كالشمس في رابعة النهار:
- ماتياس غرافستروم: الأمين العام للفيفا، أكد في رسالة داخلية أن الأشخاص يزولون والمؤسسة تبقى، في إشارة واضحة لاستمرارية الكيان فوق الأفراد.
- أرسين فينغر: أيقونة التدريب والمسؤول عن التطوير، أكد ضرورة التراجع عن المشروع فوراً.
- لويس فيغو: نجم البرتغال السابق، الذي ذهب بعيداً بمطالبة إنفانتينو بالاستقالة.
موازين القوى في انتخابات مارس
رغم أن جياني إنفانتينو لا يزال يحظى بدعم القارات الأقل ثراءً، مثل أفريقيا التي يضمن فيها تأييد 54 اتحاداً، إلا أن موازين القوى بدأت تهتز في أوروبا. إن نظام التصويت في الفيفا يمنح «سان مارينو» ذات الوزن التصويتي لـ «البرازيل»، وهو توازن دقيق يعتمد عليه إنفانتينو للبقاء في منصبه حتى عام 2031.
لكن الطريق إلى ولاية رابعة في اجتماع الجمعية العمومية بالمغرب في مارس/آذار المقبل لن يكون مفروشاً بالورود. فالمادة القانونية التي تسمح لـ 43 اتحاداً محلياً بالدعوة لاجتماع طارئ تلوح في الأفق كخيار متاح للمتمردين.
خاتمة: الدرس الأخلاقي في مدرسة الكرة
إن العبرة المستخلصة من أزمة الفيفا الراهنة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر؛ فهي تذكرنا بأن القوة لا تستقيم إلا بالشورى، وأن المؤسسات العظمى لا تُقاد بالأهواء الفردية مهما بلغت عبقرية القائد. لقد أثبتت الأحداث أن «روح اللعبة» ليست سلعة تُباع في مزاد المليارات، بل هي أمانة في أعناق من يتولون سدنتها. وسواء نجا جياني إنفانتينو من هذه العاصفة أم غرق في أمواجها، ستبقى الحقيقة الخالدة: اللاعبون يغادرون، والرؤساء يرحلون، وتظل كرة القدم ملكاً للجماهير وحدها.



اترك تعليقاً