التربية أمانة ومسؤولية إيمانية
إنَّ رعاية النَّشء على مقتضى الفطرة السوية، وتنشئتهم على قيم تربية الأطفال على العقيدة الإسلامية الصحيحة، لهي من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه؛ فهي أمانة ثقيلة وميثاق غليظ، جعل الله سبحانه وتعالى جزاء الإحسان فيها الفردوس الأعلى من الجنة. وكلما سما المؤمن في تطلعه لدرجات الجنان، تعين عليه بذل وسعٍ أكبر في تقويم هذه الغراس، لا سيما في تلك الديار التي تتقاذفها أمواج الفتن، حيث تغدو مهمة الوالدين في تثبيت أركان العقيدة في نفوس صغارهم جهاداً تربوياً يتطلب الحكمة والبصيرة.
بذور الإيمان: كيف نغرس العقيدة في المهد؟
لبناء معرفة حقة بالله سبحانه وتعالى، وجب أن يبدأ الغرس في بواكير العمر، بجرعاتٍ إيمانية تتناسب ومدارك الطفل، وأنجع السبل في ذلك هي التربية بالحال قبل المقال، وبالتوجيه غير المباشر الذي يتسلل إلى الوجدان برفق.
- نداء الفطرة: تبدأ الرحلة منذ اللحظات الأولى للميلاد، بالأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى، ليكون اسم الله سبحانه وتعالى هو أول ما يصافح سمعه، ولتكون كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" أول ما يلهج به لسانه حين النطق.
- البيئة القرآنية: اجعلوا بيوتكم عامرة بذكر الله؛ فليتردد صدى القرآن الكريم في أرجائها، وليشهد الصغار ركوعكم وسجودكم، وليتحلقوا حولكم وأنتم تتلون آيات الذكر الحكيم، وارفقوا بهم حين يشاركونكم هذه اللحظات الروحية بلهوهم البريء.
- استحضار المعية الإلهية: تحدثوا عن الله سبحانه وتعالى كحقيقة حية مهيمنة على تفاصيل يومكم؛ قولوا: "لقد أكرمني الله سبحانه وتعالى اليوم بفضله"، و"الحمد لله الذي يسّر لي هذا الأمر".
لغة الروح والقدوة الحية
إن الهدف الأسمى هو تجذير وجود الله سبحانه وتعالى في وجدان الطفل ولسانه، مع ربطه بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كل شأن. اقرنوا ذكر الله سبحانه وتعالى دائماً بالبشر والسرور، واستخدموا مفردات الرحمة، والمحبة، واللطف؛ فهذا التوجيه الوجداني يجعل الطفل ينمو محباً لخالقه، مستشعراً لعظمته ومننه، متأثراً بحال والديه اللذين يمثلان أمامه النموذج الحي للإيمان الصادق.
الإجابة عن التساؤلات الكبرى بلسان الحكمة
حين ينمو وعي الطفل وتبدأ تساؤلاته الفطرية حول ذات الله سبحانه وتعالى، يتعين على الوالدين تقديم الإجابات التي تجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح.
القرب الإلهي وعظمة الخالق
يُوضح للطفل أن الله سبحانه وتعالى، مع علوه فوق عرشه واستوائه عليه بما يليق بجلاله، فهو قريب من عبده المؤمن، يسمع نجواه ويعلم سره وأخفاه، كما قال عز وجل في محكم تنزيله:
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة: 186]
وقال سبحانه وتعالى:
{ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16]
أما عن عدم رؤيتنا له في الدنيا، فذلك لعجز أبصارنا القاصرة عن الإحاطة بنور جلاله، فالخالق لا تحيط به المخلوقات، وفي ذلك يقول عز وجل:
{ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 103]
رؤية الله في الآخرة: الوعد الحق
نعلّم أطفالنا أن عدم رؤية الشيء لا ينفي وجوده؛ فنحن لا نرى الروح التي بين جنبينا لكننا نوقن بوجودها، ولا نرى الكهرباء ولكن نرى آثارها. وإن عيوننا في هذه الدنيا ضعيفة، لكن الله سبحانه وتعالى سيكرم المؤمنين في الجنة بخلقٍ جديد وقوة تمكنهم من أعظم نعيم، وهو النظر إلى وجهه الكريم، مصداقاً لقوله تعالى:
{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة: 22-23]
وحتى كليم الله موسى عليه السلام، لم يقوُ في الدنيا على هذه الرؤية، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى:
{ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا } [الأعراف: 143]
الصبر والمثابرة في طريق التنشئة
إن بناء العقيدة بناءٌ تراكمي يحتاج إلى طول نفس وصبر جميل. استثمروا أوقات ما قبل النوم لقصص الأنبياء والوعظ اللطيف، وكونوا لآبنائكم حصناً وملاذاً يستوعب أفكارهم وما يتلقونه من الخارج برحابة صدر.
ختاماً، إن طريق تربية الأطفال على العقيدة الإسلامية يبدأ بخطوة، ويزدهر بالدعاء، فاجعلوا ديدنكم التضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يصلح ذرياتكم ويجعلهم قرة عين لكم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أداء الأمانة، وأن ينبت أبناءنا نباتاً حسناً على طاعته ومرضاته.



اترك تعليقاً