الاستهلال: وثيقة المدينة ومنعطف التأسيس
تُعدُّ صحيفة المدينة (أو كتاب يثرب) التي أرسى دعائمها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الوثيقةَ الدستورية الأولى التي نظمت فقه التعايش وصاغت مفهوم الأمة في فجر الإسلام. وفي مقاربة فكرية حديثة، تأتي دراسة الباحثة ناجية الوريمي المعنونة بـ «صحيفة المدينة: إسلام مُهمَّش» (دار رؤية، 2025)، لتقدم قراءة استقصائية في 295 صفحة، تحاول من خلالها سبر أغوار هذه الوثيقة عبر أدوات المنهج النقدي التاريخي.
تتوسل الدراسة بمنهجين علميين دقيقين؛ الأول هو «تحقيق ودراسة الوثائق» (Palaeography) المعني بفك الرموز والخطوط، والثاني هو «الدوبلوماتيك» (Diplomatics) الذي يشرِّح هيكل الوثيقة للتحقق من أصالتها. ومن خلال تزاوج هذين المنهجين، تسعى الباحثة إلى إجراء «تحقق داخلي» للمضمون و«تحقق خارجي» للمادة والمصطلحات، وهو ما يمثل ذروة النقد التاريخي في التعامل مع النصوص التراثية.
فرضية التحوير وهواجس النقل النصي
تطرح الباحثة فرضيةً جريئةً قوامها التشكك في سلامة النص الواصل إلينا، معتبرةً أن صحيفة المدينة قد نالها نصيبٌ من «التحوير» نتيجة انتقالها عبر الروايات الشفوية والمدونات السيرية (كابن إسحاق وابن هشام والطبري) لا عبر وثيقة مادية أصلية. وترى الوريمي أن دوافع سياسية واجتماعية قد تداخلت في صياغة النص النهائي الذي بين أيدينا اليوم.
بيد أن الإنصاف العلمي يقتضي الإشارة إلى أن هذه المقاربة ليست بدعاً من القول؛ فقد سبقها مستشرقون ومفكرون كبار، ومنهم:
- مونتغمري واط: الذي قدم دراسات نقدية لصياغة الوثيقة في منتصف القرن الماضي.
- ر. ب. سيرجنت: الذي قارنها بمعاهدات الجاهلية ورجح وقوع بعض التحوير.
- محمد حميد الله: في سفره النفيس «الوثائق السياسية للعهد النبوي»، وإن كان بمنحى توثيقي مغاير.
- إسهامات الجابري وطه عبد الرحمن التي قاربت النص من زوايا فلسفية وتداولية.
تجليات التهميش: من النص إلى السياق
قسمت المؤلفة دراستها إلى قسمين رئيسين؛ الأول يتناول مظاهر التهميش، والثاني يبحث في أسبابه ودلالاته، وصولاً إلى ما أسمته «المآل» في حادثة السقيفة. وتذهب الباحثة إلى أن الصراع بين دعاة «الفائدة» ودعاة «الحقيقة» أدى إلى تشتيت النص وإقصاء بعض بنوده عبر «الذاكرة الانتقائية».
وتثير الدراسة قضايا شائكة حول مفاهيم:
- الرباعة: واستقلالية المجموعات في إدارة شؤونها.
- مفهوم الأمة: وهل كان يشمل اليهود كجزء عضوي في المرحلة الأولى؟
- المصطلحات العقدية: الجدل حول دلالات (مؤمن، مسلم، كافر، مشرك) وكيف تغيرت حمولتها المعنوية من عصر النبوة إلى عصر التدوين الفقهي.
وتشير الوريمي إلى أن التحول من «الخطاب النبوي» إلى «الخطاب الفقهي» أحدث فجوة في فهم النص الأصلي، حيث انتقل التصور من حلف أمني جامع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى رؤية فقهية لاحقة تأثرت بمركزية قريش وبالتوازنات السياسية التي أعقبت وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وقفة نقدية مع منهجية الدراسة
على الرغم من استناد الكاتبة إلى تقنيات (Palaeography) و(Diplomatics)، إلا أن التطبيق جاء مشتتاً في بعض المواضع؛ إذ غاب الالتزام الصارم بالخطوات المنهجية التي تقتضي فصلاً حاداً بين البناء الداخلي والخارجي للوثيقة. كما أن الاستنتاجات المتعلقة بـ «تحليل الخطاب» جاءت متناثرة، مما أضعف القدرة على تكثيف النتائج النهائية حول البنية المادية للوثيقة.
ومع ذلك، تظل دراسة الوريمي إضافةً هامة في سياق نقد السرديات التراثية، ومحاولةً جادة لربط النص بدلالاته التاريخية المتغيرة، وهي امتداد لمشروعها الفكري العام الذي يعنى بثنائية «السائد والمهمش» في الفكر العربي الإسلامي.
الخاتمة: في رحاب الحقيقة التاريخية
إن البحث في تاريخية صحيفة المدينة لا ينبغي أن يكون معولاً للهدم، بل أداةً للفهم والاستبصار بعبقرية الإدارة النبوية التي استوعبت التعددية في إطار الوحدة. إن الحفاظ على جوهر الشريعة ومقاصدها يقتضي منا تدبراً عميقاً في نصوصنا التأسيسية، بعيداً عن الغلو أو التفريط. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا للحق، وأن يجعل علمنا نافعاً للأمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر: إسلام أون لاين



اترك تعليقاً