مناقب القيادة الراشدة: في رثاء الشيخ حمد ونهجه في استدامة العطاء الإبداعي
إنّ رُزء الأمة في قادتها الأفذاذ خطبٌ جليل، ومصابٌ لا تفي بحقه منمق الكلمات ولا منثور العبارات؛ ذلك أن الفقيد لم يكن مجرد عابرٍ في تاريخنا المعاصر، بل كان رجل المواقف الحاسمة، وصاحب البصمات المشهودة التي حفرت عميقاً في وجدان الأمة. ففي قرنٍ من الزمان، ظلت شعوبنا من مغربها إلى عدنها تنشد القيادة الراشدة والعطاء الثقافي المتمثل في قدواتٍ ثقات، فما وجدت إلا نزاراً قليلاً، نعدُّ منهم -ولا نزكي على الله أحداً- فقيدنا الراحل الشيخ حمد، رحمه الله وأكرم نزله.
الزهد في السلطة: مدرسةٌ في التجرد والإيثار
إنّ من أعظم الدروس التي سطرها الفقيد في كتاب السياسة العربية، هو ذاك الموقف التاريخي في صيف عام 2013، حين تخلى طواعيةً عن سدة الحكم وهو في ذروة عطائه وتألقه. لقد كان هذا النبأ استثناءً باهراً في واقعٍ سياسيٍّ ألف فيه الناس بقاء الحاكم في منصبه حتى يقضي الله سبحانه وتعالى أمراً كان مفعولاً.
وهذا المسلك لم يسبقه إليه في العصر الحديث إلا القائد الصالح الرئيس السوداني سوار الذهب، رحمه الله، الذي كان اسماً على مسمى. ليأتي الشيخ حمد من بعده، مبرهناً على أن غاية الحكم هي الخدمة لا التسلط، وأن القائد الحق هو من يورث شعبه الاستقرار والنهضة، وهو ما سيذكره التاريخ لفقيدنا بطيب الأثر، طيب الله ثراه.
آفاق العطاء: من تشييد البنيان إلى بناء الإنسان
لقد أفاض المتحدثون في ذكر مناقب الفقيد، وحبه الصادق لأمته العربية والإسلامية، وحرصه الدؤوب على نشر الخير في ربوع الأرض. ولم يكن هذا العطاء محصوراً في حدود الجغرافيا، بل امتدت آثاره المباركة لتشمل:
- بناء المساجد التي يرفع فيها اسم الله سبحانه وتعالى.
- تأسيس المراكز الإسلامية والثقافية التي تنشر قيم الوسطية والاعتدال.
- إرساء الكيانات التعليمية والتربوية لإعداد أجيالٍ تحمل مشعل التنوير.
- إقامة الأوقاف الخيرية المستدامة التي يعود نفعها على الفقراء والمساكين.
رعاية الإبداع: شهادةٌ من واقع التجربة والمشاهدة
لقد تميز الفقيد -رحمه الله- بنزوله إلى الميدان، ومتابعته الشخصية لكل إنتاجٍ وطنيٍّ مبدع. وأذكر في هذا السياق حدثاً عايشته بنفسي في أغسطس من عام 1994، إبان عضويتي في مجلس إدارة مركز شباب الدوحة، الذي كان حينها منارةً فكريةً متقدة قبل طغيان الوسائل التقنية الحديثة.
لقد لفت انتباه الشيخ حمد -رحمه الله- ما يقدمه المركز من تنوعٍ في الأنشطة الثقافية والتربوية، فشرّفنا بزيارةٍ مباركة التقى فيها بالشباب والقيادات الإدارية، وكان من بينهم الدكتور درويش العمادي، والدكتور محمد قطبة -طيب الله ثراه- والدكتور علي الإبراهيم.
مجلة "المرايا": حين يعانق الدعم طموح الشباب
خلال تلك الزيارة، استوقفت الفقيد مجلة "المرايا" الشبابية التي كنا نتشرف بتحريرها، فلاحظ بعين الخبير خروج محتواها عن النمط التقليدي، وقدرتها على المنافسة محلياً وإقليمياً. ولم يكتفِ الفقيد بالثناء المعنوي، بل أمر فوراً بتقديم دعم مالي سخي لم يكن يحلم به فريق العمل، مما أعطى دفعةً قويةً للإعلام الشبابي الهادف.
الخاتمة: أثرٌ لا ينقطع ودعاءٌ موصول
إنّ الكلمات تقصر عن إيفاء الشيخ حمد حقه، فقد كان قائداً فذاً قلّ نظيره، ورجلاً استراتيجياً حمل همّ أمته في قلبه وعقله. ولأن الموت حقٌّ على كل نفس، فإن عزاءنا هو ما تركه من إرثٍ صالح.
فقد جاء في الحديث النبوي الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
ونحن بإذن الله سنكون له أولاداً صالحين، نلهج بالدعاء له كما ندعو لآبائنا وأمهاتنا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنه سبحانه وتعالى سميعٌ عليمٌ مجيبُ الدعوات.



اترك تعليقاً