من غزة إلى طهران: هل تنجح إسرائيل في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط؟

من غزة إلى طهران: هل تنجح إسرائيل في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط؟

واقع غزة: هدنة هشة وسيناريوهات معقدة

وصف المنسق الأممي، رامز الأكبروف، الوضع في قطاع غزة بأنه "هش بدرجة كبيرة". هذا التوصيف ليس مجرد قراءة سطحية، بل هو انعكاس لواقع ميداني يرجح استمرار السيطرة الإسرائيلية الأمنية حتى في ظل وجود اتفاقات. يبدو أن الاحتلال يسعى لتطبيق نموذج مركب يجمع بين "نموذج لبنان" (تراجع العمليات دون توقفها) و"نموذج الضفة" (السيطرة الأمنية المطلقة رغم وجود إدارة محلية).

بناءً على ذلك، يجد الفلسطيني في غزة نفسه أمام معاناة مستمرة، تتفاقم تحت غطاء دعائي أمريكي-إسرائيلي يحاول إيهام العالم بأن الحرب قد انتهت، بينما الحقيقة هي إعادة تموضع لتحقيق أهداف أوسع.

استراتيجية "رأس الأخطبوط": من بتر الأذرع إلى ضرب المركز

كشفت التطورات العسكرية عن تبني إسرائيل والولايات المتحدة لاستراتيجية متدرجة في التعامل مع ما يسمونه "رأس الأخطبوط" (إيران) وأذرعها في المنطقة. وقد اعتمد هذا المسار على مفاضلة بين سيناريوهين:

  1. المبادرة بضرب إيران مباشرة: وهو ما تم استبعاده في البداية لتجنب تشتت القوى العسكرية وفتح كافة الجبهات في وقت واحد.
  2. الاستفراد بالساحات: البدء بقطاع غزة، ثم الانتقال إلى لبنان واليمن وسوريا، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع طهران. وهذا ما حدث بالفعل، حيث تم استنزاف قوى المقاومة تدريجياً قبل الانتقال للخطوة التالية.

تشير القراءات التحليلية إلى أن إيران ربما وقعت في فخ "الخداع الاستراتيجي"، حيث ظنت أن سياسة الحذر ستحميها من وصول النيران إلى عمقها، بينما كانت واشنطن وتل أبيب ترتبان المسرح لمواجهة كبرى.

تفكيك الساحات: وأد مفهوم "وحدة الجبهات"

بينما نادت قوى المقاومة بمصطلح "وحدة الساحات"، عملت إسرائيل وحلفاؤها على ترسيخ استراتيجية مضادة وهي "تفكيك الساحات". نجح هذا التوجه في جعل كل طرف ينكفئ على حساباته الداخلية، مما أفقد حركة حماس أحد أهم مصادر قوتها الإقليمية وجعلها أكثر عرضة للضغط السياسي والعسكري.

إعادة بناء الشرق الأوسط: رؤية ترامب ونتنياهو

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برز مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي لا يكتفي بدمج إسرائيل في المنطقة عبر الاتفاقيات الإبراهيمية، بل يسعى لفرض هيمنة كاملة تفرغ البيئة الإقليمية من أي قدرة على المقاومة المنظمة.

أهداف هذا المشروع تشمل:

  • تقويض تجربة المقاومة الفلسطينية سياسياً ومعنوياً.
  • تحويل إيران من قوة إقليمية مؤثرة إلى طرف في حالة صدام دائم مع محيطه.
  • تجاوز القضية الفلسطينية ونقلها من مركز الاهتمام الدولي إلى الهامش.

تداعيات الحرب على مستقبل غزة وحماس

يواجه قطاع غزة اليوم تحديات وجودية، حيث يمارس ما يسمى "مجلس السلام" بقيادة ترامب نوعاً من الابتزاز السياسي بربط إعادة الإعمار بتجريد المقاومة من نفوذها. وتتجلى هذه الضغوط في:

  • إضعاف الموقف التفاوضي: خاصة بعد فقدان أوراق قوة رئيسية مثل ملف الأسرى وزخم الاشتباك الميداني.
  • العزلة الإقليمية: في ظل توتر العلاقات بين الدول العربية وإيران، تجد حماس صعوبة في الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية.
  • فتور الرأي العام الدولي: حيث انتقل التركيز الإعلامي العالمي من معاناة غزة إلى الصراع المباشر مع إيران، مما منح إسرائيل غطاءً للاستمرار في عملياتها داخل القطاع بعيداً عن الأضواء.

الخلاصة: إن ما يحدث في غزة اليوم ليس منفصلاً عما يحدث في طهران؛ إنه مسار واحد يهدف إلى تصفية جيوب المقاومة وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة بما يضمن السيادة المطلقة لإسرائيل وحلفائها، مما يضع القضية الفلسطينية أمام اختبار هو الأصعب في تاريخها المعاصر.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *