زلزال سياسي في باريس: هل انتهى زمن "الحاجز الصحي"؟
تتجه الأنظار بقلق نحو الانتخابات الفرنسية 2027، حيث يرى الخبراء أن المشهد السياسي في فرنسا يمر بمرحلة من التفكك غير المسبوق. فبعد عقود من هيمنة ما كان يُعرف بـ "الجبهة الجمهورية"، يبدو أن هذا الجدار العازل قد تهاوى، مفسحاً المجال أمام استقطاب حاد يهدد بإعادة تشكيل هوية البلاد السياسية.
تآكل "الحاجز الصحي": من التأسيس إلى الانهيار
يعود مفهوم "الحاجز الصحي" (Cordon Sanitaire) إلى عام 1987، عندما دعت 122 شخصية من اليسار الفرنسي إلى تشكيل سد منيع لمواجهة صعود حزب "الجبهة الوطنية" (الذي تحول لاحقاً إلى "التجمع الوطني"). كان هذا المبدأ يهدف إلى منع وصول التيارات التي تُوصف بالمتطرفة إلى سدة الحكم.
اليوم، يؤكد المؤرخون، ومن بينهم البروفيسور روبرت زاريتسكي، أن هذا المفهوم قد تآكل بشكل حاد. فبعد أن كان الرئيس الأسبق جاك شيراك يصف التطرف بـ "السم"، أصبحت القوى السياسية الوسطية التي كانت تحمي هذا الحاجز تعاني من حالة من التشتت والضعف.
محطات الفشل: من انتخابات 2024 إلى أزمة 2026
بدأت ملامح الأزمة الكبرى تتضح في صيف عام 2024، عندما اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون قراراً بحل الجمعية الوطنية، وهي الخطوة التي وصفت بـ "الكارثية". أسفرت النتائج عن:
- تفتت الأغلبية: فقد ائتلاف ماكرون سيطرته على البرلمان.
- ثلاث كتل متصارعة: انقسم المشهد بين أقصى اليمين (التجمع الوطني)، اليمين الوسط (ماكرون)، واليسار الراديكالي (فرنسا الأبية).
- غياب الاستقرار: لم تتمكن أي كتلة من تحقيق أغلبية واضحة، مما أدى إلى شلل برلماني وتصاعد في حدة الخطاب السياسي.
مفارقة ميلانشون: هل يخدم أقصى اليسار خصمه اللدود؟
تكمن المفارقة الكبرى في الدور الذي يلعبه جان لوك ميلانشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية". فرغم تقديمه لنفسه كأشرس معارض لليمين المتطرف، إلا أن النقاد يرون أن راديكاليته وميوله الطائفية ساهمت في:
- تعميق الاستقطاب: عزل التيارات المعتدلة وإضعاف "الجبهة الجمهورية".
- تلميع صورة الخصم: جعل حزب "التجمع الوطني" يبدو كبديل أكثر تنظيماً واتزاناً في نظر بعض الناخبين.
- المسؤولية التاريخية: يرى محللون أن ميلانشون قد يُذكر تاريخياً بأنه الرجل الذي مهد الطريق لوصول مارين لوبان أو جوردان بارديلا إلى السلطة بسبب "استهتاره السياسي".
العنف السياسي: أرقام وحقائق صادمة
لم يتوقف الصراع عند المنابر السياسية، بل انتقل إلى الشارع. فقد كشفت تقارير بحثية لنيكولا ليبورغ وكسافييه كريتييه عن حقائق مرعبة تتعلق بالعنف السياسي في فرنسا خلال الأربعين عاماً الماضية:
- اليمين المتطرف: مسؤول عن أعمال عنف تفوق أقصى اليسار بعشرة أضعاف.
- الإحصائيات الجنائية: نسبت الشرطة الفرنسية 58 جريمة قتل لأقصى اليمين، مقابل 6 جرائم فقط لأقصى اليسار.
ورغم هذه الأرقام، فإن الحوادث الأخيرة، مثل مقتل الناشط كوينتين ديرانك، زادت من حدة القطيعة وجعلت الحوار السياسي شبه مستحيل.
الطريق نحو 2027: ما الذي ينتظر فرنسا؟
مع اقتراب الانتخابات الفرنسية 2027، تظل كافة السيناريوهات مفتوحة. فإذا استمر الانهيار في صفوف الوسط واليسار التقليدي، فإن "التجمع الوطني" قد يجد الطريق ممهداً نحو قصر الإليزيه، ليس فقط بسبب قوته الذاتية، بل نتيجة لتفكك الجبهة التي كانت تمنعه يوماً من العبور.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً