مقدمة: سنة الله في تباين العقول
اقتضت مشيئة الله سبحانه وتعالى أن يكون التباين سمةً أصيلة في جبلّة الخلق، وآيةً من آيات عظمته في هذا الكون الفسيح. فمنذ أن استخلف الله الإنسان في الأرض، علم أن العقول لا تُصاغ في قالب واحد، وأن البصائر لا تشرق من كوة واحدة؛ فلكل امرئٍ تجربته التي صهرته، وذاكرته التي شكلت وعيه، وقناعاته التي أقام عليها بنيان فكره. إن أدب الاختلاف ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية، قال الله عز وجل في محكم تنزيله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118].
حين تضيق الصدور بالرأي الآخر
إننا نعيش في عصرٍ اختلطت فيه المفاهيم، حتى بات المرء يخلط بين مباينة الرأي ومعاداة القائل. فما إن يلوح في الأفق رأيٌ لا يوافق الهوى، حتى تستعر نيران الخصومة، ويُخيل للبعض أن نقد الفكرة هو إعلان حرب على الكرامة والوجود. لقد غاب عن الكثيرين أن الحقيقة أوسع من أن يحوزها فرد، وأسمى من أن تُحتكر في مذهب؛ فالحق ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.
إن الحوار الراقي في ميزان العقل والشرع لا ينطلق من سؤال: "كيف أهزمك؟"، بل ينبعث من تساؤلٍ نبيل: "كيف أفهمك؟".
تماهي الفكرة مع الذات: مكمن الخلل
تتجلى المشكلة حين يربط الإنسان فكرته بذاته رباطاً مقدساً، فإذا ما نُقضت الفكرة أو نُقدت، استشعر في ذلك إهانةً لشخصه وخدشاً لكبريائه. وهنا ينحرف الحوار عن مساره بصفته طلباً للحق، ليتحول إلى معركةٍ للدفاع عن النفس وانتصاراً للأنا.
لقد أُصبنا بآفة الاحتفاء بـ "الغلبة" في النقاش على حساب "الفهم"، فأصبحنا نُعلي من شأن من يُفحم خصمه ويُسكته، ونحسب أن جهارة الصوت قوة، وأن كثرة اللغط حجة، بينما الاعتراف بالخطأ يُعد في عرف القاصرين هزيمة ونكراً.
جوهر الحوار وأخلاق الفرسان
ما قيمة أن يخرج المرء منتصراً في جدالٍ عقيم، وقد خسر في سبيله قلباً محباً؟ وما نفع الحجة إذا قامت على أنقاض كرامة الآخرين؟ إن الإنصات في الإسلام ليس صمتاً سلبياً، بل هو ضربٌ من ضروب الاحترام، وتجسيدٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
ويمكن إجمال ركائز الاختلاف الراقي في النقاط التالية:
- التفهم قبل الرفض: السعي لإدراك مرامي الآخر قبل المسارعة إلى إبطال قوله.
- الإنصاف: الاعتراف بما لدى الآخر من حق، فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق.
- حفظ المودة: أن يظل الود قائماً وإن تباينت وجهات النظر، عملاً بقاعدة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".
الكلمة الطيبة وحرمة القلوب
إن الكلمات في لحظات الغضب سهامٌ مسمومة، تنفذ إلى شغاف القلوب فتترك فيها نُدوباً لا تندمل. قد ينسى الإنسان تفاصيل الحجة بعد حين، لكنه أبداً لا ينسى كلمةً جارحة أُلقيت في وجهه أمام الملأ. لذا، فإن أدب الاختلاف هو اختبارٌ للأخلاق قبل أن يكون اختباراً للمعلومات.
لقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". هذا هو السمو الفكري الذي يجعل المرء يرفض الفكرة دون أن يحتقر صاحبها، وينتقد الموقف دون أن يجرح الكرامة.
الخاتمة: الاختلاف مساحة للتعلم لا ساحة للقتال
إن المجتمع الذي يتقن فقه الاختلاف هو مجتمعٌ ناضج، لا يرهب تعدد الآراء، ولا يرى في السؤال تهديداً لثوابته. فالعلاقات الإنسانية الرصينة لا تقوم على التطابق الممل، بل على القدرة على التعايش مع التباين؛ فكما لا يُبنى الجسر إلا ليصل بين ضفتين مختلفتين، لا يكتمل نسيج المجتمع إلا بتآلف العقول المتباينة.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعل قلوبنا سليمة، وألسنتنا بالحق ناطقة، وللمؤمنين رحيمة.



اترك تعليقاً