التقويم الخليجي: منجز معرفي وأسرار إيمانية في فقه الشهادتين لفضيلة الدكتور إبراهيم الأنصاري

التقويم الخليجي: منجز معرفي وأسرار إيمانية في فقه الشهادتين لفضيلة الدكتور إبراهيم الأنصاري

في رحاب الكلمة الطيبة وعبر أثير إذاعة القرآن الكريم، أطلّ فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري، عميد كلية الشريعة بجامعة قطر، في لقاء فكري ماتع تزامن مع اليوبيل الماسي لدار التقويم القطري. تناول اللقاء إطلاق تطبيق التقويم الخليجي، الذي يمثل جسراً ثقافياً وفلكياً يربط بين أبناء المنطقة، كما غاص فضيلته في أعماق الركن الأول من أركان الإسلام، مستجلياً أسرار الشهادتين وتبعاتهما العملية في حياة المسلم.

خمسة وسبعون عاماً من العطاء: التقويم الخليجي هدية قطر للمنطقة

استحضر الدكتور الأنصاري مسيرة خمسة وسبعين عاماً منذ وضع الوالد -رحمه الله- اللبنات الأولى لهذا الصرح المعرفي، مؤكداً أن إطلاق تطبيق التقويم الخليجي في هذا التوقيت ليس مجرد مواكبة تقنية، بل هو ثمرة رعاية كريمة من حكام دولة قطر الذين جعلوا من هذا التقويم مرجعاً يتجاوز الحدود الجغرافية.

ويتميز التطبيق بخصائص فريدة تجعل منه رفيقاً لكل مواطن خليجي، ومن أبرز ملامحه:

  • الخصوصية الإقليمية: مراعاة المواسم الفلكية والزراعية لكل مدينة خليجية بدقة.
  • الهوية البصرية: تصميم يستلهم ألوان أعلام دول الخليج، كالعنابي لقطر والأخضر للسعودية.
  • العمق الثقافي: دمج المعالم المحلية والثقافة المجتمعية في صلب المحتوى الفلكي.

الشهادتان: من مكنون الاعتقاد إلى فضاء الإعلان والعمل

وفي لفتة أصولية بارعة، أجاب فضيلته عن الحكمة من اعتبار الشهادتين ركناً عملياً رغم كونهما أصلاً اعتقادياً، موضحاً أن الإيمان القلبي سرٌّ بين العبد وربه سبحانه وتعالى، لكن "النطق والإعلان" هو الفعل الذي تترتب عليه الحقوق والواجبات والمواقف. فالمعلن لإيمانه يخرج من دائرة السكون إلى دائرة الحركة والتضحية.

واستشهد فضيلته بقصة مؤمن آل فرعون الذي لم يطق كتمان الحق حين استقرت حلاوة الإيمان في قلبه، فصدع به قائلاً: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (غافر-41). إن هذا الانتقال من الكتمان إلى الإعلان هو جوهر الجانب العملي في الركن الأول.

حقيقة التوحيد: نفي الشرك وإثبات العبودية لله سبحانه وتعالى

أبان الدكتور الأنصاري أن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تقوم على ركنين عظيمين:

  1. النفي (لا إله): وهو تطهير القلب من كل طاعة أو عبادة أو خضوع لغير الله عز وجل.
  2. الإثبات (إلا الله): وهو حصر الألوهية والمحبة المطلقة لله وحده سبحانه وتعالى.

وأكد أن هذه الكلمة هي ميزان الكون الذي قامت عليه السماوات والأرض، وبها يتناغم الإنسان مع سائر الكائنات في سجودها لله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (الحج-18).

مقام النبوة: الاتباع الحق والحذر من محدثات الأمور

انتقل الحوار إلى مقتضى شهادة أن "محمداً رسول الله" صلى الله عليه وسلم، حيث قرر فضيلته أنها تعني حصر مصدر التلقي عن الله سبحانه وتعالى في شخص النبي الكريم، وأن كل من يُتبع من العلماء والأئمة إنما يُتبع لكونه دالاً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وحذر الدكتور من بدعتين خطيرتين تفتكان بالأمة اليوم:

  • الأولى: إثارة النزاع والتشكيك في المسائل القطعية التي أجمعت عليها الأمة.
  • الثانية: إنكار مشروعية الخلاف في المسائل الظنية والاجتهادية، مما يفتح أبواب التبديع والتضليل بين المسلمين.

آيات الفلك: دروس في الاعتدال وتصاريف الزمان

ختم الدكتور الأنصاري لقاءه بلمحة فلكية تتسق مع روح التقويم الخليجي، مشيراً إلى ظاهرة الاعتدال الفلكي، حيث تتساوى الكفتان وتشرق الشمس وتغرب من نقاطها الأصلية، ليبدأ بعدها ميل الشمس جنوباً، فيطول ليل العباد ويقصر نهارهم، في آية من آيات الله التي تستوجب التفكر والاعتبار.

الخاتمة:
إن ربط العلم الفلكي بالبصيرة الإيمانية، كما تجلى في حديث الدكتور إبراهيم الأنصاري، يعيد صياغة علاقتنا بالزمن والكون. فليكن التقويم الخليجي وسيلة لضبط الأوقات، ولتكن الشهادتان منهجاً لضبط القلوب والنيات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، متبعين فيها سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *