رحيل سادن التراث الرياضي العربي: الأستاذ الدكتور مصطفى موالدي ومسيرة إحياء علوم المسلمين

رحيل سادن التراث الرياضي العربي: الأستاذ الدكتور مصطفى موالدي ومسيرة إحياء علوم المسلمين

رحيل سادن التراث الرياضي العربي: الأستاذ الدكتور مصطفى موالدي ومسيرة إحياء علوم المسلمين

إنَّ فقد العلماء ثلمةٌ في الدين لا تُسد، ومصيبةٌ في الأمة لا تُجبر إلا بخلفٍ صالح يسير على نهجهم، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ». وفي هذا السياق، ودعت الأمة الإسلامية والأوساط الأكاديمية قامةً سامقةً من قامات الفكر والبحث، الأستاذ الدكتور مصطفى معروف موالدي، الذي وافته المنية في الخامس عشر من أكتوبر عام 2026، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالبذل في خدمة تاريخ الرياضيات العربية وتحقيق كنوز المخطوطات.

غياب قامة من قامات التحقيق العلمي

نعت المؤسسات الثقافية والعلمية ببالغ الأسى والاحتساب رحيل هذا الباحث الفذ، حيث أعربت وزارة الثقافة السورية ومعهد المخطوطات العربية بالقاهرة التابع لمنظمة (ألسكو) عن عميق حزنهما لفقدان متخصصٍ قلَّ نظيره في دراسة التراث العلمي العربي والإسلامي. لقد كان الدكتور موالدي رحمه الله نموذجاً للعالم المتواضع الذي سخر حياته لبيان فضل أمتنا في تشييد صرح الحضارة الإنسانية.

النشأة العلمية والرحلة في طلب العلم

وُلد الفقيد في مدينة حلب الشهباء عام 1952، تلك المدينة التي كانت ولا تزال منارةً للعلم والعلماء. تلقى فيها تعليمه الأولي، ثم نال إجازة الإحصاء من جامعة حلب عام 1975. لم يقف طموحه عند هذا الحد، بل ارتبط مساره المهني بمعهد التراث العلمي العربي منذ تأسيسه، لتبدأ رحلته المباركة في استنطاق المخطوطات.

وفي سبيل تعميق أدواته البحثية، ارتحل إلى فرنسا ليلتحق بجامعة السوربون الجديدة، حيث نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1989. كانت أطروحته عملاً موسوعياً فاق الألف وخمسمائة صفحة، تناول فيها جبر كمال الدين الفارسي، جامعاً فيها بين دقة التحقيق الرياضي وعمق الدراسة التاريخية، وهو ما يعكس صبراً وجلداً لا يتوفر إلا لورثة الأنبياء من أهل العلم.

إحياء تراث العباقرة: من الفارسي إلى المارديني

تجلت عبقرية الدكتور موالدي في قدرته الفائقة على فك رموز النصوص التراثية المعقدة، ومن أبرز إسهاماته في تاريخ الرياضيات العربية:

  • تحقيق مؤلفات كمال الدين الفارسي: الذي يعد من أعظم علماء البصريات والرياضيات في الحضارة الإسلامية.
  • دراسة أعمال سبط المارديني: وإبراز تطبيقاته الرياضية في الفلك والمواقيت.
  • تأصيل علوم الحساب والجبر والهندسة: من خلال تتبع تطور هذه العلوم عند العرب والمسلمين وكيف كانت الأساس للنهضة الحديثة.
  • المشاركة الموسوعية: حيث أثرى الموسوعة العربية بدمشق بمقالات محكمة عن كبار علماء الإسلام مثل أبي بكر الكرجي وقاضي زاده الرومي.

بصمات مؤسسية وإرث أكاديمي خالد

لم يكن الدكتور مصطفى موالدي رحمه الله مجرد باحثٍ منزوٍ في مكتبته، بل كان قائداً أكاديمياً مخلصاً. تولى عمادة معهد التراث العلمي العربي بججامعة حلب لسنوات، ورأس تحرير مجلة تاريخ العلوم العربية، مساهماً في تخريج أجيال من الباحثين الذين تشربوا منهجية التحقيق العلمي الرصين.

لقد نشر الفقيد ما يربو على 96 بحثاً ومقالاً علمياً، ونقل التراث العلمي العربي إلى المحافل الدولية باللغة الإنجليزية، ليكون لسان صدقٍ لأمته، مبيناً للعالم أجمع أن المسلمين لم يكونوا مجرد ناقلين لعلوم اليونان، بل كانوا مبدعين ومجددين، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].

جوائز وتكريمات في محراب العلم

تقديراً لجهوده الدؤوبة، نال الدكتور موالدي العديد من الجوائز المرموقة التي توجت مسيرته، وهي شهادات استحقاق من أهل الاختصاص تثبت ريادته في هذا الفن الدقيق من فنون المعرفة. إن ما تركه من مؤلفات وتحقيقات سيظل صدقةً جاريةً وعِلماً يُنتفع به، يرفع درجته عند رب العالمين.

خاتمة ودعاء

إننا إذ نودع هذا العالم الجليل، لنستذكر أن بقاء الأمم رهينٌ بالحفاظ على هويتها العلمية وتراثها الفكري. رحم الله الدكتور مصطفى معروف موالدي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وعن لغة القرآن وعن العلم خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته يوم العرض عليك، سبحانك وتعالى عز وجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *