الشهادتان: مِعراجُ اليقينِ ودلالاتُ “لا إله إلا الله” في ميزانِ الشريعة

الشهادتان: مِعراجُ اليقينِ ودلالاتُ “لا إله إلا الله” في ميزانِ الشريعة

الشهادتان: مِعراجُ اليقينِ ودلالاتُ "لا إله إلا الله" في ميزانِ الشريعة

إنَّ أصلَ الأصولِ في مِلةِ الإسلامِ، ورُكنَها الرَّكينَ الذي لا يقومُ البناءُ إلا عليهِ، هو النُّطقُ بكلمةِ التوحيدِ وتحقيقُ مقتضاها؛ فهي الفارقُ بينَ الكفرِ والإيمانِ، والبرزخُ الذي يَعصمُ الدماءَ والأموالَ. إنَّ الشهادتان ليستْ مجردَ لفظٍ يلوكُه اللسانُ، بل هي إقرارٌ بالعبوديةِ الخالصةِ للهِ سبحانه وتعالى، واتباعٌ مُطلقٌ لمنهجِ نبيهِ المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الشهادتان: ميثاقُ الدخولِ وحُكمُ الظاهر

يُقررُ العلامةُ الشيخ يوسف القرضاوي – رحمه الله – أنَّ الولوجَ في رِحابِ الإسلامِ إنما يتحققُ بالنُّطقِ بالشهادتين: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». فمنْ جرى لسانُه بهما، فقد ثبَتَ لهُ حُكمُ الإسلامِ، وجرتْ عليهِ أحكامُ المسلمينَ في الدنيا، وإنْ أضمرَ في طوايا قلبهِ غيرَ ذلك؛ فنحنُ معاشرَ العبادِ قد أُمِرنا أنْ نحكمَ بالظاهرِ، ونَكِلَ السرائرَ إلى اللهِ عز وجل.

وقد تضافرتِ الأدلةُ النبويةُ على هذا الأصلِ الأصيلِ، ففي صحيح مسلم: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به». وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله».

دلالةُ النُّصوصِ وعصمةُ الدماء

ذهبَ المحققونَ من أهلِ العلمِ إلى أنَّ لفظَ «الناس» الواردَ في هذهِ الأحاديثِ يُرادُ بهِ مشركو العربِ؛ ذلكَ أنَّ أهلَ الكتابِ يُقرُّونَ على دينِهم مقابلَ الجزيةِ بنصِّ القرآنِ الكريمِ. والشاهدُ الجليُّ في هذهِ النصوصِ هو أنَّ مجردَ النُّطقِ بكلمةِ «لا إله إلا الله» كافٍ في حقنِ الدمِ وإحرازِ المالِ، وهذهِ الحصانةُ لا تُنالُ إلا بالإيمانِ أو العهدِ، وحيثُ لا عهدَ، تعيَّنَ أنَّ الإيمانَ قد ثبَتَ بمجردِ النُّطقِ.

وقد أكدَ الإمامُ السيوطيُّ في كتابه «الجامع الصغير» أنَّ هذا الحديثَ بلغَ رتبةَ التواترِ، وزادَ المناويُّ في شرحهِ أنَّه: «رواه خمسة عشر صحابياً».

تحقيقُ الفهمِ ورَدُّ الشُّبُهات

نُقِلَ عن سفيان بن عيينة – وهو من أكابرِ أئمةِ الحديثِ – أنَّ هذا الحُكمَ كانَ في فجرِ الإسلامِ قبلَ نزولِ الفرائضِ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وهجرةٍ. بَيْدَ أنَّ الحافظَ ابن رجب الحنبليَّ فنَّدَ هذا الرأيَ في سِفرهِ النفيس «جامع العلوم والحكم»، واصفاً إياهُ بالضعفِ الشديدِ، بل وشكَّكَ في صحةِ نسبتهِ لسفيان، مُستدلاً بأنَّ رواةَ هذهِ الأحاديثِ هم من الصحابةِ الذين لازموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المدينةِ، ومنهم من تأخرَ إسلامُه.

ويستطردُ ابنُ رجبٍ قائلاً: «وقوله صلى الله عليه وسلم: "عصموا مني دماءهم وأموالهم"، يدلُّ على أنَّ ذلك قيلَ في حالِ مأموريتهِ بالقتالِ، وذلك إنما كانَ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ». فثبَتَ يقيناً أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يقبلُ من كلِّ وافدٍ مجردَ الشهادتينِ دليلاً على إسلامهِ.

فقهُ التدرُّجِ وقبولُ الإسلامِ بالشروط

من عظيمِ حكمةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسعةِ رَحمتهِ، أنَّه كانَ يتألفُ القلوبَ بقبولِ إسلامِهم وإنِ اشترطوا بعضَ الشروطِ التي قد تبدو مخالفةً للكمالِ، لِعلمهِ أنَّ الإيمانَ إذا خالطتْ حلاوتُه القلوبَ، استقامتِ الجوارحُ على الطاعةِ.

  • قصة أسامة بن زيد: زجرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسامةَ لقتلهِ رجلاً قالَ «لا إله إلا الله» تحتَ ظلالِ السيوفِ، ولم يشترطْ عليهِ صلاةً ولا زكاةً حينها.
  • وفد ثقيف: في مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه، اشترطتْ ثقيفٌ أنْ لا صدقةَ عليها ولا جهادَ، فقبلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: «سيتصدقون ويجاهدون».
  • شرط الصلاة: روى نصر بن عاصم الليثي أنَّ رجلاً أسلمَ واشترطَ أنْ لا يصليَ إلا صلاتينِ، فقبلَ منهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

وقد بنى الإمامُ أحمدُ على هذهِ الأحاديثِ قاعدتَه الفقهيةَ: «يصحُّ الإسلامُ على الشرطِ الفاسدِ، ثم يُلزمُ المسلمُ بشرائعِ الإسلامِ كلِّها». ومن ذلكَ حديثُ حكيم بن حزام الذي قال فيه: «بايعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أنْ لا أخرَّ إلا قائماً»، وعقَّبَ الإمامُ أحمدُ بقولهِ: «يعني يسجدُ من غيرِ ركوعٍ».

خاتمةٌ ودعاء

إنَّ المتأملَ في هذهِ الحقائقِ الشرعيةِ يُدركُ أنَّ الشهادتان هما مِفتاحُ الجنانِ، وعمادُ الأمانِ، بهما تُصانُ الحُرماتُ، وعليهما تُبنى المقاماتُ. فما أعظمَ منةَ اللهِ علينا بكلمةِ التوحيدِ، وما أجملَ الاستمساكَ بالعروةِ الوثقى. اللهمَّ أحْيِنا على قولِ "لا إله إلا الله"، وأمِتْنا عليها، واحشُرنا في زُمرةِ أهلِها، تحتَ لواءِ نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *