يوم عاشوراء: تجليات النصر في أيام الله ونبراس الهداية للبشرية

يوم عاشوراء: تجليات النصر في أيام الله ونبراس الهداية للبشرية

يوم عاشوراء: قبسٌ من أيام الله وتجليات النصر والوفاء

إنَّ لله عز وجل في طيات الدهر نفحاتٍ مباركة، وأياماً غراء تتجلى فيها آيات قدرته وعظيم مننه على عباده، وهي التي وسمها الوحي بـ "أيام الله"؛ حيث تشرق فيها أنوار النصر، وتضمحل فيها ظلمات الظلم والجور. ومن أبهى هذه الأيام وأجلاها يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي شهد فيصلاً تاريخياً بين الحق والباطل، حين أهلك الله سبحانه وتعالى فرعون وجنوده، ونجّى نبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه، ليبقى هذا اليوم منارةً للمؤمنين في الصبر والشكر.

دلالة "أيام الله" في القرآن الكريم

لقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى عليه السلام أن يغرس في نفوس قومه معاني الوفاء لتلك اللحظات الفارقة، كما جاء في محكم التنزيل:

« وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » (إبراهيم : 5).

والمعنى في هذه الآية الجليلة أن الله عز وجل أمر موسى بدعوة قومه إلى الخير، وإخراجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور المعرفة والإيمان والهداية. وقوله "ذكّرهم بأيام الله" أي بآلائه ونعمه عليهم، كإخراجهم من أسر فرعون وقهرهم، وإنجائهم منه بإغراقه، وفلق البحر لهم، وتظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك من النعم، كما قرر ذلك مجاهد وقتادة وغيرهما من أئمة التفسير (انظر: «حسن التحرير في تهذيب تفسير ابن كثير» 2/486).

وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: « إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »؛ أي أن فيما صنعناه بأوليائنا من بني إسرائيل، حين أنقذناهم من يد فرعون العاتي ومن العذاب المهين، لعبرةً لكل صبار في الضراء، شكور في السراء.

السُّنة النبوية وتأصيل صيام عاشوراء

لقد ثبت في الصحيحين أن هذا الحدث العظيم وقع في يوم عاشوراء من شهر محرم الحرام. ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:

« قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه » (البخاري 2004).

وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أنا أولى بموسى منكم »، فصامه وأمر بصيامه. وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: « كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فصوموه أنتم » (البخاري 2005).

تحديد اليوم وفضيلة الصيام

  • تحديد اليوم: ذهب جمهور العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم. قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (4/441): "عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن، لما روى ابن عباس: « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر » (الترمذي 759)"، وقال هو حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.
  • عراقة الصيام: كان صيام هذا اليوم معروفاً حتى قبل الإسلام؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: « كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه » (البخاري 4/244).

فضل صيام يوم عاشوراء ومكانته

لقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم عناية فائقة، حتى بعد فرض صيام شهر رمضان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان » (البخاري 2006).

أما عن الثواب الجزيل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله » (مسلم 1976). وإنها لمنةٌ عظيمة من الله عز وجل أن يكفر صيام يوم واحد ذنوب سنة كاملة.

الهدي النبوي في مخالفة أهل الكتاب

يُستحب للمسلم صيام اليوم التاسع (تاسوعاء) مع العاشر، تحقيقاً للمخالفة المشروعة لأهل الكتاب. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: « حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم » (مسلم 1916).

  • الحكمة من صيام التاسع: ذكر الإمام النووي رحمه الله أن الحكمة هي مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر.
  • رأي شيخ الإسلام: قال ابن تيمية رحمه الله: « نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، مثل قوله في عاشوراء: لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع » (مجموع الفتاوى 6).
  • رأي الحافظ ابن حجر: قال رحمه الله: « لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يفرده بالصوم، أو لمخالفة اليهود والنصارى، وهو الأقوى » (فتح الباري 4/245).

مسائل فقهية في صيام عاشوراء

  1. إفراد العاشر بالصيام: يجوز إفراد يوم عاشوراء بالصيام ولا كراهة في ذلك، وإن كان الأفضل صيام التاسع معه. قال ابن تيمية رحمه الله: « صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ولا يكره إفراده بالصوم » (مجموع الفتاوى 5).
  2. موافقة يوم السبت: إذا وافق عاشوراء يوم سبت، فلا حرج في صيامه؛ لأن النهي عن إفراد السبت محمول على غير الصيام الراتب أو المناسبات الفاضلة. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: « قد أباح صلى الله عليه وسلم صوم عاشوراء وحض عليه، ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول الأيام كلها في ذلك » (شرح مشكل الآثار 2).

الخاتمة: دعوة للتأمل والاستنان

إن يوم عاشوراء ليس مجرد ذكرى تاريخية تطوى، بل هو مدرسة متجددة في التوحيد والتوكل والشكر. فما أجدر بنا نحن اليوم للاستنان بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، واغتنام هذه الفرصة الربانية لتطهير الصحائف من الأوزار. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صيامنا وصالح أعمالنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يعيد علينا هذه الأيام والأمة الإسلامية في عزة ونصر وتمكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *