مقدمة: ثلمة في جدار العلم والتراث
إنَّ فقد العلماءِ ثلمةٌ في الإسلام لا تُسدُّ، ومصيبةٌ يتردد صداها في أروقة المعرفة ومنابر الفكر. بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، ننعى إلى الأمة الإسلامية والأوساط الأكاديمية رحيلَ عَلَمٍ من أعلام الفكر، وباحثٍ فذٍّ نذر حياته لخدمة تاريخ الرياضيات العربية، الأستاذ الدكتور مصطفى معروف موالدي، الذي وافته المنية في الخامس عشر من أكتوبر عام 2026، بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء ناهزت الخامسة والسبعين عاماً. لقد كان الراحل -رحمه الله- جسراً وصلَ حاضرنا بماضينا العلمي المجيد، ومحققاً بصيراً استنطق المخطوطاتِ المنسيةَ لتعيد للأمةِ ثقتها بعبقريتها التاريخية.
مسيرةٌ علميةٌ من حلب الشهباء إلى السوربون
وُلِدَ الفقيدُ في مدينة حلب، مهد العلم والحضارة، في السادس من فبراير عام 1952. هناك نشأ وتلقى تعليمه، متزوداً بالعلم واليقين، حتى نال الشهادة الثانوية بفرعها العلمي عام 1971. ومن ثمَّ، يمّم شطره نحو جامعة حلب ليدرس الإحصاء في كلية العلوم، متخرجاً فيها عام 1975.
لم يقف طموحُ الدكتور موالدي عند حدود الدراسة التقليدية، بل انطلق بروحٍ وثابةٍ نحو آفاقٍ أرحب؛ فكان من الرعيل الأول الذين ارتبطت أسماؤهم بمعهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب منذ تأسيسه عام 1976. ولأنَّ العلمَ رِحلةٌ لا تنتهي، فقد شدَّ الرحال إلى فرنسا مبتعثاً، حيث التحق بجامعة السوربون الجديدة (باريس الثالثة)، ليتخصص في أدقِّ مسالك العلم: تاريخ الرياضيات العربية.
التميز الأكاديمي والتحقيق المنهجي
في عام 1989، نال الدكتور موالدي درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، عن أطروحةٍ موسوعيةٍ تناولت "جبر كمال الدين الفارسي". وقد تجلّت في هذه الأطروحة، التي بلغت 1558 صفحة، قدرته الفائقة على:
- التحقيق النقدي للنصوص التراثية بصرامةٍ علمية.
- التحليل الرياضي المعمق الذي يربط بين المناهج القديمة والحديثة.
- الدراسة التاريخية التي تضع العلم في سياقه الحضاري الإسلامي.
ريادةٌ في تحقيق المخطوطات وخدمة التراث
عاد الدكتور موالدي -رحمه الله- إلى وطنه ليحمل لواء النهضة بالتراث العلمي. وتدرج في المراتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية عام 2007. ولم يكن مجرد مدرسٍ، بل كان قائداً إدارياً حكيماً، حيث تولى عمادة معهد التراث العلمي العربي لسنواتٍ عدة، ورئاسة تحرير مجلة تاريخ العلوم العربية.
لقد تركزت جهوده العلمية على إبراز عبقرية علماء المسلمين في علوم الحساب والجبر والهندسة والبصريات. ومن أبرز إسهاماته التي ستبقى صدقةً جاريةً في ميزان حسناته:
- تحقيق مؤلفات كمال الدين الفارسي: إماطة اللثام عن إنجازات هذا العالم في البصريات والرياضيات.
- دراسة أعمال سبط المارديني: تسليط الضوء على الرياضيات التطبيقية والفلك.
- الموسوعة العربية: كتابة مداخل متخصصة عن كبار علماء الحضارة الإسلامية مثل أبو بكر الكرجي وقاضي زاده الرومي.
الأثر العلمي والجوائز
ترك الفقيد إرثاً ضخماً يربو على 96 بحثاً ومقالاً منشوراً في دورياتٍ عالميةٍ وعربية، محققاً بذلك حضوراً دولياً لـ تاريخ الرياضيات العربية في المحافل الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية والفرنسية. وقد تُوِّجت هذه المسيرة بنيل العديد من الجوائز المرموقة التي شهدت بفضله وسبقه في هذا الميدان.
لقد كان الدكتور موالدي يؤمن بأنَّ دراسة تاريخ العلوم ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورةٌ لاستنهاض الهمم، عملاً بقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: 20]، فالبحث في بدايات العلوم وتطورها هو جزءٌ من التفكر في سنن الله في الكون.
خاتمة: وداعاً سادن العلم
إنَّ رحيل الدكتور مصطفى معروف موالدي خسارةٌ فادحة، لكنَّ عزاءنا هو ما تركه من علمٍ يُنتفع به، وتلاميذَ يحملون الراية من بعده. نسأل الله العلي القدير، سبحانه وتعالى، أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يتقبل جهوده في إحياء تراث الأمة في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اغفر له وارحمه، وأجزل له المثوبة عما قدّم لدينه وأمته، وبارك في أثره وعلمه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.



اترك تعليقاً