# سلطان العادة: حينما يطغى المألوف على المشروع في حياة الناس
إن المتأمل في أحوال النفس البشرية، والناظر في تقلبات المجتمعات، يجد أن هناك قوة خفية تُحرك الجوارح، وتوجه الإرادات، وتصيغ أنماط السلوك، وهي قوة “العادة”. هذه القوة التي تتسلل إلى النفوس ببطء، حتى تصبح مع مرور الزمن حاكماً مطلقاً، وقيداً لا يسهل الفكاك منه. ولعل من أدق الملاحظات التي يمكن أن يقف عليها المصلحون والعلماء هي تلك الحالة التي وصفها أحدهم حين قال: “رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع !”.
هذه الكلمات ليست مجرد وصف عابر، بل هي تشخيص لمرض اجتماعي ونفسي عميق، يتمثل في تبديل الموازين، حيث يصبح “المألوف” هو المعيار، و”المعتاد” هو الميزان، حتى لو تعارض ذلك مع جوهر التكليف أو روح الشريعة.
تغليب العادة على الشرع: انقلاب الموازين
يبدأ الانحراف حين تتحول العادات من كونها أساليب حياة منظمة إلى أصنام تُعبد من دون الله في محراب السلوك اليومي. إن الأصل في حياة المسلم أن يكون الشرع هو القائد، والوحي هو المنار، فما أحله الله فهو المباح، وما حرمه فهو الممنوع. ولكن، حين تطغى العادة، يحدث انقلاب خطير في الموازين؛ فيصبح المرء يقيس أفعاله بمدى قبول المجتمع لها، لا بمدى موافقتها لمراد الله عز وجل.
إننا نجد في كثير من الأحيان أن الناس يتساهلون في واجبات شرعية واضحة لأن العادة لم تجرِ بتعظيمها في بيئتهم، وفي المقابل، نراهم يتشددون في أمور هي من قبيل العادات المحضة، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا ما خالف أحدهم عرفاً اجتماعياً، وكأن هذا العرف نص سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
سيكولوجية الاستيحاش من الحق
لقد أشار النص ببراعة إلى مفهوم “الاستيحاش”، وهو شعور بالوحشة والغربة يداهم المرء حين يأتي بفعل لم تألفه عيون الناس، حتى وإن كان هذا الفعل هو عين الصواب في ميزان الشرع. هذا الاستيحاش نابع من الخوف من النقد، والرهبة من مخالفة القطيع، والرغبة في الذوبان في المجموع.
لماذا يستوحش الناس من غير المعتاد؟
1. الضغط الاجتماعي: الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ويميل دائماً إلى الشعور بالانتماء. مخالفة العادة تعني التميز، والتميز في مجتمعات تقدس التقليد يعني النبذ أو السخرية.
2. الكسل الذهني والروحي: اتباع العادة لا يتطلب مجهوداً، فهو سير مع التيار. أما اتباع الشرع في مواطن مخالفة العادة، فيتطلب يقظة، ومجاهدة، واستحضاراً للنية، وهو ما يثقل على النفوس الضعيفة.
3. الخوف من المجهول: العادة توفر نوعاً من الأمان الزائف، فما دام الجميع يفعلون هذا، فلا بد أنه صحيح. أما الخروج عن هذا المسار فيُشعر المرء بأنه يسير في أرض غير مكتشفة، مما يولد لديه وحشة.
تجليات سطوة العادة في واقعنا
إذا نظرنا في تفاصيل حياتنا، سنجد أمثلة لا حصر لها لهذه الظاهرة. ففي المناسبات الاجتماعية، من أفراح وأتراح، نجد الناس يرهقون أنفسهم بمراسم وتكاليف ما أنزل الله بها من سلطان، بل قد يقعون في المحظورات الشرعية، فقط لأن “العادة جرت بذلك”. وإذا حاول شخص ما أن يلتزم بالبساطة أو يطبق السنة المهجورة في هذه المواطن، واجهته نظرات الاستنكار، وربما اتهم بالبخل أو بالرغبة في الشذوذ عن الجماعة.
إنهم لا يستوحشون من الذنب بقدر ما يستوحشون من مخالفة العرف! وهذا هو عين الخلل الذي أشار إليه النص. فالشرع قد يبيح أمراً، أو يندب إليه، ولكن لأن الناس لم يعتادوا رؤيته، يصبح فاعله غريباً بينهم، ويشعر هو نفسه بالخجل أو التردد، لا لأن الشرع نهاه، بل لأن “العادة” لم تمنحه الإذن.
مخاطر استبدال الشرع بالعادات
إن هذا التغليب للعادة على الشرع يؤدي إلى عواقب وخيمة على دين الفرد وصلاح المجتمع، منها:
- ضياع جوهر العبادة: تتحول العبادات إلى حركات آلية وعادات مجردة من الروح والنية.
- ظهور البدع: فكثير من البدع ما هي إلا عادات غلبت على الناس حتى توهموا أنها من الدين.
- تضييق ما وسع الله: العادات غالباً ما تكون ضيقة ومقيدة، بينما الشرع يتميز بالمرونة واليسر.
- ضعف الشخصية الإسلامية: يصبح المسلم إمعة، يتبع الناس في عرفهم لا في شرع ربه.
كيف نتحرر من أسر العادة؟
إن التحرر من سطوة العادات التي تخالف الشرع أو تضيق على الناس يتطلب شجاعة أدبية، وبصيرة إيمانية نافذة. إليك بعض الخطوات للعودة إلى جادة الطريق:
أولاً: تصحيح الموازين
يجب أن نرسخ في نفوسنا أن الحكم الأول والأخير هو لله ولرسوله. العادة تُحترم ما لم تخالف نصاً أو روحاً شرعية، فإذا تعارضت، قُدم الشرع بلا تردد. يجب أن يسأل المرء نفسه دائماً: “لماذا أفعل هذا؟ هل هو اتباع للحق أم مجرد تقليد للناس؟”.
ثانياً: كسر حاجز الوحشة
على المصلحين والمقتدى بهم أن يبادروا بكسر العادات الخاطئة، وتطبيق السنن المهجورة، حتى يألفها الناس. إن الوحشة تزول بالتكرار، والغربة تضمحل حين يجد الغريب من يشاركه غُربته. إن توطين النفس على تحمل نظرات الاستنكار في سبيل مرضاة الله هو من أعلى مراتب الصدق.
ثالثاً: التربية على الاستقلال
يجب تربية الأجيال على أن قيمتهم مستمدة من طاعتهم لخالقهم، لا من رضا الناس عنهم. إن المسلم القوي هو الذي يملك بوصلة داخلية توجهه نحو الحق، بغض النظر عن اتجاه الريح الاجتماعية.
خاتمة: نداء إلى القلوب اليقظة
يا أيها السائر إلى الله، اعلم أن العادة جند من جنود النفس، تارة تعينك على الطاعة إذا روضتها، وتارة تقيدك عن الحق إذا استسلمت لها. لا تجعل من “كلام الناس” أو “ما تعارف عليه المجتمع” صنماً يحول بينك وبين نور الوحي.
إن الاستيحاش الذي تجده حين تخالف عادات الناس لتوافق شرع الله هو استيحاش مؤقت، يعقبه أنس بالله وحلاوة في القلب لا يذوقها إلا من جعل الله همه الوحيد. تذكر دائماً أن العادة متغيرة، والشرع ثابت، فتمسك بالثابت ينجيك من تقلبات المتغير.
ليكن شعارنا في هذه الحياة: “الشرع أولاً، والشرع آخراً”، ولنحطم تلك القيود الوهمية التي كبلنا بها أنفسنا تحت مسمى “العادة”، ولنعد إلى رحابة الإيمان، حيث لا وحشة مع الحق، ولا غربة مع اتباع الهدى. إن غلبة العادة على الشرع هي هزيمة داخلية، والانتصار الحقيقي هو أن يكون هوانا تبعاً لما جاء به الهدى، لا لما جرت به عادات الورى.


اترك تعليقاً