مقدمة: العمل الصالح كمرآة للقلب
إنَّ العمل الصالح هو البرهانُ الساطعُ على صدقِ الإيمان، والترجمةُ العمليةُ لما استقرَّ في سويداءِ الجنان من توحيدِ الله عز وجل؛ فهو القالبُ الذي تتجسدُ فيه العقيدةُ سلوكاً يرتضيه ربُّ العالمين. لقد أجمعَ علماءُ الملةِ وفُقهاءُ الأمةِ على أنَّ العملَ الصالحَ ركنٌ ركينٌ من أركان الإيمان، وأمارةٌ جليةٌ على استقامةِ التوحيد في نفس العبد؛ إذ لا دليلَ أصدقُ على حقيقة الشهادتين من أخلاقِ المرءِ وامتثالِه، فاستمساكُه بالعروةِ الوثقى، ووقوفُه عند حدودِ الأوامرِ والنواهي، هو الثمرةُ اليانعةُ للإيمان بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر.
التلازم الوجودي بين الإيمان والعمل
لقد صاغَ السلفُ الصالحُ هذه العلاقةَ بعباراتٍ جامعةٍ مانعة، فكان الإمامُ الحسنُ البصريُّ رحمه الله يقول: «ليس الإيمانُ بالتمني ولا بالتحلي، ولكن هو ما وقرَ في القلبِ وصدَّقَه العملُ».
ويزيدُ هذا المعنى جلاءً بقوله: «مَن قال حسناً وعملَ سيئاً ردَّ اللهُ عليه قولَه، ومَن قال حسناً وعملَ صالحاً رفعه العملُ؛ ذلك بأنَّ اللهَ تعالى يقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر: 10]».
ومن هنا، ندركُ أنَّ الظاهرَ عنوانُ الباطن، وأنَّ العملَ ليس مجاوراً للإيمان فحسب، بل هو ركنٌ فيه، ومؤشرٌ عليه، وثمرةٌ لا تنفكُّ عنه.
ركنا قبول العمل الصالح في الشريعة
إنَّ مفهوم العمل الصالح في المنظور الإسلامي ليس لفظاً هُلامياً، بل هو منضبطٌ بضوابطَ شرعيةٍ صارمة، فلا يُسمَّى العملُ صالحاً ولا يُقبلُ عند الله عز وجل إلا باجتماع شرطين أساسيين:
- الإخلاص: أن يبتغي العبدُ بعمله وجهَ الله سبحانه وتعالى وحده، بعيداً عن شائبَةِ الشرك أو الرياء.
- المتابعة: أن يكون العملُ موافقاً لما جاء في شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فإذا اختلَّ أحدُ هذين الركنين، صار العملُ هباءً منثوراً، وقد حسمَ التنزيلُ الحكيمُ هذا التأصيلَ بقوله سبحانه: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110].
شمولية العمل الصالح ومراتب العبودية
لقد جلى الإمامُ ابنُ بطةَ في كتابه (الإبانة الكبرى) هذا الارتباطَ الوثيقَ بين العبادة والعمل، وهو ما أكده شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله بقوله: «الدينُ هو العبادة، والعبادةُ هي الطاعة، فمن أطاعَ اللهَ في أمره ونهيه فقد عبدَ الله، ومن أطاعَ الشيطانَ فقد عبدَ الشيطان، قال الله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [سورة يس: 60]».
وبناءً على ذلك، فإنَّ العمل الصالح في الكتاب والسنة ينتظمُ كلَّ أنواع القربات، سواء كانت:
- أعمالاً باطنة: كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والرجاء.
- أعمالاً ظاهرة: كالصلاة، والزكاة، والصدق، وبر الوالدين، وحسن الجوار.
فكلُّ فريضةٍ أو نافلة، وكلُّ خُلقٍ زكيٍّ يأتيه المسلمُ طاعةً لله وطلباً لمرضاته، فهو من صميم العمل الصالح، وأعظمُ ذلك ما جاء في حديث جبريل عليه السلام من أركان الإسلام الخمسة.
مسالك المؤمن في استباق الخيرات
يتحتمُ على المؤمنِ أن يسلكَ في دربِ الصالحاتِ مسالكاً تعكسُ يقينَه، ومن أهمها:
أولاً: المسارعة والمنافسة في الخيرات
يقول الله عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران: 133].
ويقول سبحانه: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة الحديد: 21].
وقد ضربَ الأنبياءُ أروعَ الأمثلة في ذلك، فهذا موسى عليه السلام يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [سورة طه: 84]، وعن زكريا وآله يقول سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].
ثانياً: الاستقامة والمداومة
يقول الله عز وجل: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة هود: 112].
ثالثاً: الجمع بين العمل والخوف من عدم القبول
إنَّ من سماتِ الأبرارِ الاجتهادَ في العمل مع وجلِ القلوب، كما وصفهم الله سبحانه: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة السجدة: 16].
وقال في وصفِ المتهجدين: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [سورة الذاريات: 17-19].
وعن حالهم عند الإنفاق والعطاء: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [سورة المؤمنون: 60].
خاتمة: التقوى هي الميزان
خِتاماً، يبقى ميزانُ القبولِ عند الله عز وجل منوطاً بالتقوى التي هي روحُ العملِ وسرُّه؛ فليس العبرةُ بكثرةِ العناءِ بقدرِ ما هي بإخلاصِ القصدِ وصفاءِ الاتباع. وكما قال الله تعالى في قصة ابني آدم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: 27]. فاللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهك خالصة، ولا تجعل لأحدٍ غيرك فيها نصيباً.



اترك تعليقاً