لسان الوحي ومستقبل الأمة: قراءة في كتاب “العربية: آفاق الحاضر واستشراف المستقبل”

لسان الوحي ومستقبل الأمة: قراءة في كتاب “العربية: آفاق الحاضر واستشراف المستقبل”

استهلال: في كنف البيان وحرمة المكان

ثَمَّةَ مؤلفاتٌ لا تُدركُ كنهَ مقاصدها بمجردِ تقليبِ صفحاتها، بل إنَّ قيمتَها تكمنُ في السياقِ الذي ولدت فيه، والحكايةِ التي نسجت خيوطَها. ومن هذا الطرازِ الفريد، يبرزُ كتاب "العربية: آفاق الحاضر واستشراف المستقبل"، وهو السِّفرُ الذي يجمعُ بين دفتيهِ عصارةَ الأبحاثِ العلميةِ التي قُدمت في ندوة "بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ" الأولى، برعايةِ إدارةِ البحوثِ والدراساتِ الإسلاميةِ بوزارةِ الأوقافِ والشؤونِ الإسلاميةِ في دولةِ قطر. إنَّ هذا الكتابَ ليس نتاجاً لجهدٍ نظريٍّ معزولٍ، بل هو ثمرةٌ مباركةٌ لندوةٍ انعقدت في رحابِ جامعِ الإمامِ الشيخِ محمد بن عبد الوهاب، حيثُ تعانقت أفكارُ الأكاديميينَ المتخصصينَ بعبقِ المكانِ، لتتحولَ المشافهةُ إلى تدوينٍ، والمجلسُ العلميُّ إلى أثرٍ باقٍ يحفظُ للغةِ الضادِ وهجَها في مسيرةِ اللغة العربية والنهضة الحضارية.

من رحاب الجامع إلى آفاق الجامعة: استعادة الدور الحضاري

إنَّ الرحلةَ التي قطعها هذا الكتابُ من "الجامع" إلى "الجامعة"، ومن الندوةِ إلى التأليفِ، تستوجبُ وقفةً تأمليةً عميقةً؛ فهي تُحيي في الوجدانِ تلك الصلةَ العضويةَ الأصيلةَ في تاريخِ ثقافتِنا الإسلاميةِ بين المسجدِ والمعرفةِ. فلم يكنِ الجامعُ في حضارتِنا مجردَ حيزٍ لإقامةِ الشعائرِ التعبديةِ فحسب، بل كان مآلاً للعلمِ، وموئلاً للدرسِ، وميداناً تلتقي فيه علومُ الوحيِ المنزلِ من عندِ اللهِ عز وجل بفتوحاتِ العقلِ وعمرانِ اللسانِ.

إنَّ هذه الندواتِ تكتسبُ جلالَها من كونِها تشرعُ أبوابَ الجامعِ لأسئلةِ الجامعةِ، وتستصحبُ مناهجَ الجامعةِ إلى رحابِ الجامعِ، لتمضيَ المعرفةُ الإنسانيةُ مسددةً بنورِ الوحيِ الإلهيِّ، مؤكدةً أنَّ العربيةَ هي لسانُ القرآنِ الكريمِ الذي قال فيه سبحانه وتعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.

عبقرية النظام: الصلابة المرنة في لسان الوحي

ينبري البحثُ الأولُ، للأستاذِ الدكتور لؤي علي خليل، المعنون بـ "الصلابة المرنة في القرآن والعربية: دراسة في نظام الديمومة"، ليغوصَ في علاقةِ القرآنِ بالعربيةِ من منظورٍ بنيويٍّ فريدٍ. يتجاوزُ الباحثُ الطرحَ التقليديَّ عن حفظِ القرآنِ للغةِ، ليحللَ خصائصَ "الصلابةِ المرنةِ" والديمومةِ.

  • الثبات البنيوي: القرآنُ الكريمُ ثابتٌ في نظمهِ، ممتدٌ في زمانه، ومع ذلك يمتلكُ طاقةً دلاليةً هائلةً تتفاعلُ مع كلِّ عصرٍ.
  • المرونة الاشتقاقية: العربيةُ تمتلكُ نظاماً معيارياً راسخاً، لكنها تنطوي على إمكاناتِ القياسِ والاشتقاقِ والنحتِ، مما يجعلُها قادرةً على استيعابِ المستجداتِ دونَ أن تفقدَ هويتَها.
  • علاقة الهوية: اللغةُ هنا ليست مجردَ أداةِ تواصلٍ، بل هي رؤيةٌ حضاريةٌ شاملةٌ تحملُ قيمَ الأمةِ وتاريخَها.

تشخيص الواقع: العربية في مواجهة الأعاصير المعاصرة

في البحثِ الثاني، يسلطُ الأستاذُ الدكتور محروس بٌرَيِّك الضوءَ على "اللغة العربية والتحديات المعاصرة في المجتمعات المسلمة". إنَّ التشخيصَ هنا يتجاوزُ الثنائيةَ التقليديةَ (فصحى وعامية) ليرصدَ مستوياتٍ لغويةً هجينةً فرضتْها العولمةُ والرقمنةُ.

  1. اللغات الهجينة: انتشارُ ما يُعرف بـ "العربيزي" وتغلغلُ اللغاتِ الأجنبيةِ في مفاصلِ التعليمِ.
  2. التحدي المؤسسي: تحولُ قضيةِ اللغةِ من مجردِ سلامةِ لسانٍ إلى سؤالٍ مركزيٍّ في السياساتِ التعليميةِ والإعلاميةِ والأسرةِ.
  3. العولمة اللغوية: أثرُ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ في تفتيتِ البنيةِ اللغويةِ الرصينةِ.

استشراف النهضة: العربية أداة لصناعة المستقبل

يختمُ الدكتور محمد خالد الرَّهاوي الكتابَ ببحثهِ حول "اللغة العربية ومستقبل النهضة الفكرية والعلمية"، منتقلاً بالنقاشِ من دائرةِ الشكوى إلى فضاءِ الفعلِ. إنَّ السؤالَ الجوهريَّ الذي يطرحُه البحثُ ليس عن قدرةِ العربيةِ على استيعابِ العلومِ، بل عن "الإرادةِ العلميةِ" للأمةِ.

إنَّ توطينَ المعرفةِ وتجديدَ الفكرِ الإسلاميِّ لا يستقيمانِ إلا بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، والذكاءُ الاصطناعيُّ والرقمنةُ يجبُ أن يُستخدما كأدواتٍ لتمكينِ اللغةِ لا لتهديدِها. إنَّ النهضةَ الحقيقيةَ تتطلبُ تضافرَ الجهودِ لتوحيدِ المصطلحِ وجعلِ العربيةِ شريكةً في إنتاجِ المعرفةِ، لا مجردَ ناقلٍ لمنتجاتِ الآخرين.

خاتمة: رسالة من الجامع إلى الجامعة

إنَّ كتاب "العربية: آفاق الحاضر واستشراف المستقبل" يبرهنُ على أنَّ النهضةَ لا تُنالُ بالقطيعةِ مع الجذورِ، ولا بعزلِ الوحيِ عن شؤونِ الحياةِ والمعرفةِ. إننا بحاجةٍ ماسةٍ إلى استمرارِ هذه المجالسِ التي يلتقي فيها عالمُ الشريعةِ باللغويِّ، والفقيهُ بالطبيبِ، والمفكرُ بعالمِ الحاسوبِ؛ ليظلَّ جهدُ الإنسانِ مهتدياً بنورِ اللهِ سبحانه وتعالى.

نسألُ اللهَ عز وجل أن يبارك في هذه الجهودِ، وأن يجعلَ لسانَنا عامراً بذكرهِ، وقلوبَنا واعيةً لبيانهِ، وأن تظلَّ العربيةُ منارةً للهدى وجسراً للنهضةِ. وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *