معرض تونس الدولي للكتاب في أربعينيته: ملتقى الحضارات وحوار العصور

معرض تونس الدولي للكتاب في أربعينيته: ملتقى الحضارات وحوار العصور

هل يستطيع الكتاب أن يرمم ما أفسدته السياسة والجغرافيا؟

تشرع تونس أبوابها الثقافية لتستقبل العالم في الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، وهي دورة تتجاوز في دلالاتها مجرد عرض المصنفات، لتصبح بياناً حضارياً يؤكد أن الكلمة هي الجسر الأمتن الذي لا تنهكه الحروب ولا تحده الحدود. في هذه الاحتفالية، تجتمع ثماني وثلاثون دولة لترسم خارطة معرفية تمتد من سواحل المتوسط إلى أعماق آسيا.

لغة الأرقام: اتساع الرقعة الثقافية

تعكس الإحصائيات الرسمية لهذا العام نمواً لافتاً في حجم المشاركة الدولية، مما يعزز مكانة تونس كمركز ثقل ثقافي في المنطقة. إليكم أبرز ملامح هذا الحضور:

  • 38 دولة مشاركة: بزيادة قدرها 9 دول عن الدورة السابقة، ما يشير إلى تصاعد وتيرة الانفتاح الثقافي.
  • تنوع جغرافي شامل: حضور خليجي لافت وتغطية كاملة للجغرافيا العربية من المغرب إلى العراق.
  • 150 ضيفاً: نخبة من المفكرين والمبدعين يثرون الجلسات النقاشية والندوات الفكرية.

من جاكرتا إلى قرطاج: إندونيسيا ضيف شرف

تحل إندونيسيا ضيف شرف على هذه الدورة، مقدمةً للقارئ التونسي والعربي نافذةً على حضارة آسيوية عريقة تجمعها بالمنطقة أواصر الإسلام كإطار حضاري واسع. يرى السفير الإندونيسي، زهيري مصراوي، أن الكتاب هو اللبنة الأساسية لبناء الحضارات، وهو ما تجسد في ندوة "من جاكرتا إلى قرطاج" التي سعت لتحويل الأماني التاريخية إلى واقع ثقافي ملموس عبر العروض الموسيقية والتراثية التي تملأ أروقة الجناح.

تحدي الحصار: وصول الكتاب الإيراني

شهد الجناح الإيراني قصة درامية تعكس إصرار الثقافة على البقاء؛ فبسبب إغلاق المجال الجوي، رحلت الكتب في رحلة شاقة عبر عواصم وسيطة مثل بيروت لتصل في النهاية إلى القارئ التونسي. لم يكتفِ الجناح بعرض الأدب الفارسي الكلاسيكي والمعاصر، بل خصص ركناً لـ "التضامن الإنساني"، حيث يكتب الزوار رسائل مواساة لضحايا مدرسة "الشجرة الطيبة"، في لفتة تمزج بين الوجع الإنساني والسمو الثقافي.

حوار العصور: بين ابن رشد والذكاء الاصطناعي

يتميز البرنامج الثقافي لهذا العام بتوليفة فريدة تجمع بين التراث الفلسفي والآفاق التقنية الحديثة. تحتفي الدورة بذكرى ميلاد الفيلسوف ابن رشد، ذاك العقل الذي حاور أرسطو وربط بين الحضارتين العربية واللاتينية، وفي المقابل، تقتحم الدورة القضايا المعاصرة من خلال:

  1. الذكاء الاصطناعي: استشراف مستقبل الإبداع البشري في ظل الثورة الرقمية.
  2. الملكية الفكرية: حماية حقوق المبدعين في عصر النسخ الرقمي.
  3. التحول الرقمي: الذي يمثل هجرة الأرواح من الأوراق التقليدية إلى الفضاءات السيبرانية اللامتناهية.

خاتمة: الكتاب بوصفه بوصلة الروح

إن معرض تونس الدولي للكتاب في نسخته الأربعين ليس مجرد سوق للورق، بل هو مختبر للأفكار ومصهر للثقافات. حين يلتقي ابن رشد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وحين تصل كتب طهران رغم غلق السماء، ندرك أن الثقافة هي الرئة التي يتنفس بها العالم حين تضيق به سبل السياسة. سيبقى الكتاب هو اللبنة الأولى في جدار الحضارة، والمنارة التي تهدي الشعوب نحو مرافئ التفاهم والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *