مخاض عسير في قلب البلقان: 4 تساؤلات ترسم ملامح انتخابات كوسوفو

مخاض عسير في قلب البلقان: 4 تساؤلات ترسم ملامح انتخابات كوسوفو

هل تُنهي صناديق الاقتراع شلل الدولة؟

تجد كوسوفو نفسها اليوم أمام استحقاق ديمقراطي متكرر، حيث انطلقت انتخابات كوسوفو البرلمانية المبكرة، وهي الثالثة من نوعها خلال ستة عشر شهراً فقط. هذا التتابع السريع للاقتراعات ليس علامة ترف ديمقراطي، بل هو صرخة في وجه أزمة سياسية مستحكمة، وعجز عن تشكيل مؤسسات قادرة على الصمود أمام رياح الانقسام الحزبي. فهل تنجح هذه الجولة في كسر القيد الدستوري الذي كبّل مفاصل الدولة؟

لماذا تعود كوسوفو إلى نقطة الصفر؟

لم يكن الذهاب إلى انتخابات جديدة خياراً ترفياً، بل كان ضرورة فرضها انسداد الأفق السياسي. لقد عجز البرلمان السابق عن أداء مهمته الجوهرية في انتخاب رئيس جديد للدولة، وهو ما يشبه توقف القلب في جسد المؤسسات.

  • الفشل الدستوري: انتهت ولاية الرئيسة السابقة فيوسا عثماني في أبريل الماضي، ولم يفلح الفرقاء في تأمين النصاب القانوني لخلفها.
  • غياب التوافق: الانقسامات الحادة حالت دون حضور 80 نائباً من أصل 120، وهو الرقم السحري المطلوب لشرعية انتخاب الرئيس.

موازين القوى: هل يحسمها ألبين كورتي؟

يتصدر المشهد السياسي حزب "فيتيفيندوسيه" أو (حركة تقرير المصير) بقيادة رئيس الوزراء ألبين كورتي. كورتي، الذي يمزج في خطابه بين النزعة القومية والعدالة الاجتماعية، يواجه تحدياً حقيقياً في ترجمة شعبيته إلى استقرار مؤسسي.

  • أرقام ودلالات: حصل حزب كورتي على 51.1% من الأصوات في ديسمبر الماضي، وهي قفزة ملحوظة عن نسبة 42% في فبراير 2025.
  • عقبة الثلثين: رغم هذه الأرقام، يظل كورتي في حاجة ماسة إلى "جسور" مع المعارضة، إذ تفرض القوانين أغلبية الثلثين لانتخاب الرئيس، مما يجعل الفوز المنفرد انتصاراً ناقصاً ما لم يتبعه تحالف سياسي متين.

لغة الأرقام: ديموغرافيا الانتخابات الكوسوفية

تتجلى في هذه الانتخابات ظاهرة فريدة، حيث يتجاوز عدد الناخبين المسجلين تعداد السكان المقيمين، وهو ما يعكس ثقل الجالية الكوسوفية في الخارج، والتي تُعد الرئة المالية والسياسية للبلاد.

  • الكتلة الناخبة: يحق لـ 1,959,962 ناخباً التصويت، بينما يبلغ عدد السكان الفعلي نحو 1.6 مليون نسمة.
  • أصوات الاغتراب: سجل أكثر من 132 ألف ناخب للتصويت من الخارج، وهم يميلون تقليدياً لدعم التوجهات التغييرية التي يمثلها كورتي.
  • خريطة المرشحين: يتنافس 902 مرشحاً (593 رجلاً و309 امرأة) يمثلون 21 كياناً سياسياً على 120 مقعداً برلمانياً.
  • نظام المحاصصة: خُصص 20 مقعداً للأقليات القومية لضمان التنوع العرقي داخل قبة البرلمان.

الطريق إلى بروكسل.. والبحث عن اليقين

تراقب العواصم الأوروبية انتخابات كوسوفو بكثير من الحذر، فالحلم الكوسوفي بالانضمام للاتحاد الأوروبي يمر عبر بوابة الاستقرار الداخلي أولاً. إن تشكيل حكومة مستقرة ليس مجرد شأن محلي، بل هو بطاقة عبور لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة دولياً.

لقد استنفرت اللجنة الانتخابية كافة طاقاتها، من تفعيل غرف عمليات مشتركة مع النيابة والشرطة، إلى زيادة عدد لجان الاقتراع لضمان نزاهة العملية. لكن النزاهة الإجرائية وحدها لا تكفي إذا لم تتبعها إرادة سياسية تخرج البلاد من دوامة الانتخابات المتكررة.

خاتمة فكرية:
إن الديمقراطية في كوسوفو تشبه بناءً حديثاً يمتلك واجهة براقة لكنه يفتقر إلى القواعد الخرسانية المتينة. تكرار الانتخابات هو استنزاف لطاقة الأمة وتطلعات الشباب، والحكمة السياسية تقتضي أن تدرك النخب أن صناديق الاقتراع هي وسيلة لبناء الدولة، وليست غاية في حد ذاتها. يبقى السؤال معلقاً فوق جبال البلقان: هل ستكون الثالثة ثابتة، أم أن كوسوفو ستبقى أسيرة "ديمقراطية التكرار"؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *